: المكتبة المقروءة : المؤلفات
طباعة

  : المكتبة المقروءة : المؤلفات
فتح الواحد العلي في الدفاع عن صحابة النبي
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

          إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهصلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

          فإن من المعلوم الذي يعرفه الخاص والعام، وهو مما عُلم بالضرورة من دين الإسلام فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلوّ مكانتهم، ورفعة درجتهم، رضي الله عنهم.

          وهذا لما تكاثرت به الأدلة الدالة على ذلك من الكتاب والسنة، وليس هذا موضع استيفائها، وهي معلومة بحمد الله تعالى وفضله، ولكن لعلي أذكر بعضاً منها:

          قال الله تعالى:{مُحَمدٌ رَسُولُ الله والذين معه أشداء على الكُفارِ رُحماءُ بينهم تراهم رُكعاً سُجداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهُم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزُّراع ليغيظ بهم الكُفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماًْ} [محمد:29].

          وهذه الآية الكريمة تشمل كل الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم كلهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

          وقال تعالى: {لايستوي مِنكُم من أَنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظمُ درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكُلا وعد الله الحُسنى والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10] .

          وهذه الآية أيضاً شاملة ([1])  لكل الصحابة رضي الله عنهم، لمن أنفق قبل فتح مكة وقاتل، ولمن أنفق من بعد الفتح وقاتل، كلهم وعدهم الله بالحسنى.

والحسنى هي الجنة، كما قال الله تعالى:{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهقُ وجوههم قترٌ ولا ذِلةٌ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [ يونس: 26] .

          ولذلك فسّر السلف الحسنى بالجنة(1)، كما قال ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه وغيره.

قال أبو جعفر ابن جرير في «تفسيره» (11/108): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى، وأن يجزيهم على طاعته إياه الجنة ا.هـ.

          والذي قاله ابن جرير واضح، يشهد له ما تقدم، وما سيأتي إن شاء الله تعالى.

          وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100] .

وهذه الآية أيضاً شاملة لكل الصحابة رضي الله عنهم.

          ويؤيد ما تقدم ما جاء في السنة:

 فقد أخرج البخاري (3673) ومسلم (2541) كلاهما من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : «لاتسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» وهذا لفظ مسلم(2).

          وهذا الحديث شامل لكل الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه  صلى الله عليه وسلم قال: «لاتسبوا أحداً من أصحابي» .

          ولذلك بوّب عليه أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» - كما في «الإحسان» (16/238) - : ذكر الخبر الدالِّ على أن أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم كلهم ثقات عدول.

          وأما توجيه هذا الخطاب لخالد بن الوليد ولغيره فهذا لا يفيد خروجه من الصحابة، بل هو بالإجماع صحابي، وإنما المقصود الصحبة الخاصة كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه عند ما وقع خلاف بينه وبين الصديق رضي الله عنه: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» مرتين. أخرجه البخاري (3661) من حديث أبي إدريس عن أبي الدرداء.

          وأخرج البخاري (3649 ) ومسلم (2532) كلاهما من حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، يقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون: نعم ، فيفتح لهم ، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم ، فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم ، فيفتح لهم» وهذا لفظ مسلم.

          وأخرجه مسلم (2523) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: زعم أبو سعيد قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم : «يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث، فيقولون: هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به ، ثم يبعث البعث الثاني، فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم ؟ فيفتح لهم ، ثم يبعث البعث الثالث، فيقال: انظروا، هل ترون فيهم أحداً رأى أحداً رأى أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم ؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به».

وهذا شامل أيضاً لكل الصحابة رضي الله عنهم.

          ومن فضل الصحابة رضي الله عنهم أنهم أمنة للأمة ، أخرج مسلم (2531) من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه(1) قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهب النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».

          وهذا أيضاً يشمل كل الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الحديث عام في الصحابة ولم يخص أحداً منهم دون أحد.

          ويؤيد ما تقدم ما رواه أحمد (4/363) والطبراني في «الكبير» (2438) ، والحاكم (4/80) وصححه ، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (10/145) كلهم(2) من طريق الثوري عن الأعمش(3) عن موسى بن عبد الله بـن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والمهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة »(1).

          قلت: وفي هذا الحديث ذكر الصحابة كلهم: المهاجرين والأنصار والطلقاء والعتقاء ، وأنه صلى الله عليه وسلم أثبت لهم الولاية بعضهم مع البعض الآخر في الدنيا والآخرة.

          وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «والآخرة» تفيد صحة إسلامهم وإيمانهم، وذلك أنه لم يثبت لهم الولاية في الدنيا فقط بل وفي الآخرة، والله تعالى أعلم.

وهذا الحديث عمل بما جاء في كتاب الله تعالى في قوله: { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم [74] والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم[75]}  [الأنفال:74،75] .

          فتبين مما تقدم ثناء الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على الصحابة كلهم رضي الله عنهم، ولا شك أن الله تعالى بعلمه للغيب اختار أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم. 

          أخرج أحمد (3600) والبزار (1816) والطبراني في «الكبير» (8582) وابن الأعرابي في «المعجم» (860) والحاكم (3/78) وقال: صحيح الإسناد، والقطيعي في «زوائد فضائل الصحابة» (541) والبيهقي في «المدخل» - كما في «نصب الراية» (4/133) - كلهم من طريق أبي بكر بن عياش ثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم  خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خيرقلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء(1).

* * *


فصل في حد الصحبة

قد يقول قائل: بما أن الصحابة أثنى الله عليهم ورسوله فمن هو الصحابي؟

          فأقول وبالله التوفيق: قيل في حد الصحبة أقوال متعددة، ولكن الذي دلّ عليه الدليل منها هو: أن الصحابي كل من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على ذلك، سواء أطال هذا اللقاء أم قصر، والدليل على هذا من كتاب الله تعالى وسنة رسولهصلى الله عليه وسلم واللغة العربية.

          أما من الكتاب: فقال تعالى: {والنجم إذا هوى [1] ما ضل صاحبكم وما غوى [2]} [النجم: 1 ، 2] .

 يقسم ربنا في هذه الآية بالنجم إذا هوى أن صاحبكم ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم ـ ما ضلّ، ووجه الشاهد أن الله تعالى سماه صاحباً لقومه، ومعلوم أن قومه منهم من صحبه المدة الطويلة، ومنهم من صحبة المدة القصيرة.

          وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: {ما بصاحبكم من جنة} [سبأ: 46]، وقوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون} [التكوير: 22]، وقوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان: 15].

وهذا شامل لكل مصاحبة، سواء كانت قصيرة أو طويلة.

          وقال تعالى: {كما لعنا أصحاب السبت} [النساء: 47] فسماهم الله تعالى أصحاب السبت؛ لأنهم فعلوا هذا المنكر في يوم السبت.

وقال تعالى:{فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنكبوت: 15]، وهم لم يجلسوا مدة طويلة في السفينة، وإنما مدّة السفر، فسماهم أصحاب السفينة.

          وقال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه} [عبس: 34-36] ، وهذا شامل لكل زوج سواء طالت مدة الزواج أو قصرت، فتسمّى صاحبة.

وقال تعالى: {وأصحاب اليمين} [الواقعة: 27]، وقال تعالى: {وأصحاب الشمال} [الواقعة: 41]، فسماهم الله تعالى أصحاب اليمين؛ لأنهم يأخذون كتابهم بيمينهم، والعكس بالنسبة لأصحاب الشمال، ولم يقل أحد ـ فيما أعلم ـ أن هذا الكتاب يبقى معهم لمدة كذا وكذا.

          وأما من السنّة: فما رواه مسلم في «صحيحه» (249) من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى  المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك؟! قال: « أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد .. ».

 فهذا الحديث يدل على أن أصحابه كل من التقى به وكان مؤمناً، وأنّ من لم يأت بعد إنما هم إخوانه، وأما من جاء إليه وآمن به فهو صاحبه، سواء طال هذا اللقاء أم قصر.

          ومن الأدلة على أن الصحبة تثبت باللّقية مع الإيمان والموت على ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة(12/178): ثنا زيد بن الحباب ثنا عبد الله بن العلاء بن عامر عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني».

          وأخرجه ابن أبي عاصم (1522) في «السنة» والطبراني في «الكبير» (22/85) كلاهما من طريق ابن أبي شيبة به.

 وأخرجه ابن أبي عاصم (1523) والطبراني (22/86) من طرق عن الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن العلاء به نحوه.

          وأخرجه الطبراني في «الكبير»(22/85) وفي «مسند الشاميين» (799) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن العلاء عن أبيه به.

وهذا الحديث صحيح، وقد جاءت أحاديث أخرى بمعناه، منها:

ما رواه يعقوب بن سفيان في «التاريخ» (2/351): ثنا آدم ثنا بقية بن الوليد ثنا محمد بن عبد الرحمن اليحصبي سمعت عبد الله بن بسر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طوبى لمن رآني ، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ، وطوبى له وحسن مآب».

          وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (1527) عن يعقوب به، لكن وقع عنده: «محمد بن زياد» بدل: «محمد بن عبد الرحمن»، ولكن هذا لا يؤثر كثيراً، فمحمد بن زياد ثقة، ومحمد بن عبد الرحمن قال عنه دحيم: ما أعلمه إلا ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات«(1) وقال: لا يعتد بحديثه، ما كان من حديث بقية ويحيى بن سعيد العطار ودونه، بل يعتبر بحديثه من رواية الثقات عنه.

          قلت: جعل ابن حبان العلّة في بقية وليس في محمد بن عبد الرحمن؛ لأن ابن حبان لا يحتج ببقية، ولذلك لم يذكره في «الثقات» بل ذكره في «المجروحين»، والراجح أن بقية صدوق يحتج  بحديثه إذا اجتمعت فيه خمس شروط:

1-       إذا صُرِّح بينه وبين شيخه بالتحديث.

2-   إذا صُرِّح بالتحديث بين شيخه وشيخ شيخه؛ لأنه أحياناً يدلّس تدليس التسوية، كما في «العلل» لابن أبي حاتم فقد نقل عن أبيه حديثاً سواه بقية.

3-   إذا كان شيخه ثقة، قال أحمد: إذا حدث عن قوم ليسو بمعروفين فلا تقبلوه. وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفاً في روايته عن غير الثقات.

4-   أن يكون شيخه شامياً، قال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما عن أهل الحجاز والعراق فضعيف جداً. وقال ابن عدي: إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلّط. وقال ابن رجب في «شرح العلل» (ص: 428) : وهو مع كثرة رواياته عن المجهولين الغرائب والمناكير فإنه إذا حدث عن الثقات المعروفين لم يدلّس؛ فإنما يكون حديثه جيداً عن أهل الشام، وأما رواياته عن أهل الحجاز وأهل العراق فكثيرة المخالفة لروايات الثقات، كذا ذكره ابن عدي وغيره.

 ثم ذكر مثالاً على هذا في حديث رواه عن المسعودي وأخطأ فيه، وقال أبو زرعة: إذا نقل بقية حديث الكوفة إلى حمص يكون هكذا. اهـ . وهذا موجود في «سؤالات البرذعي لأبي زرعة » (2/449).

5-   أن يكون الراوي عنه ثقة متيقِّظاً، ويستحسن أن لا يكون حمصياً، وذلك أن بقية قد يروي عن آخر ولا يصرح بالتحديث، فيرويه الراوي عنه على أن بقية صرح بالتحديث بينه وبين شيخه وبقية لم يفعل ذلك، وهذا إما أن يفعله الراوي عن بقية تعمّداً أو غفلة، قال أبو زرعة -بعد سؤال عن حديث رواه أبو تقي- قال: ثني بقية قال: حدثني عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تبدءوا بالكلام قبل السلام، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه». قال أبو زرعة: هذا حديث ليس له أصل، لم يسمع بقية هذا الحديث من عبد العزيز، إنما هـو عن أهل حمص، وأهل حمص لا يميزون هذا. ا.هـ . من «العلل» (2/331 ـ 332) .

قلت: يعني أبو زرعة بقوله: «إنما هو عن أهل حمص»  أن الراوي عن بقية هنا هشام بن عبد الملك أبو تقي، وهو حمصي.

 ويعني بقوله: «أهل حمص لا يميزون هذا» أي: لا ينتبهون إلى صيغ التحمل، فيجعلون بدل العنعنة التحديث، كما حصل في هذا الحديث، فبقية لم يسمع هذا الحديث من عبد العزيز، فيبدوأنه رواه بالعنعنة أو نحو ذلك، ولم ينتبه لهذا الراوي عنه، فرواه عن بقية بالسماع من شيخه.

وقال أبو حاتم ابن حبان(1) : وامتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه ويسوونه، فالتزق ذلك كله به ا.هـ .

فوصل الأمر ببعض تلاميذه أنهم يسقطون الضعفاء من حديثه ويسوونه، وقد يدخل في كلام ابن حبان ما قاله أبو زرعة فيما تقدم.

وما قاله أبو زرعة وابن حبان معروف عن أهل الشام،  فهم قد يسووّن الأخبار ويسقطون الضعفاء أحياناً من أحاديث شيوخهم، كما كان الوليد بن مسلم يفعله في حديث الأوزاعي، ومثله بقية - كما تقدم -، وصفوان بن صالح، ومحمد بن المصفى(2) ، وهؤلاء كلهم من أهل الشام .

وقد اشتهر هذا النوع من أنواع التدليس عن أهل الشام، وإن كان قد وصف به غيرهم، ومعروف عن أهل الشام التساهل حتى في إسناد الأخبار، قال الوليد بن مسلم: خرج الزهري فقال: يا أهل الشام، ما لي أرى أحاديثكم ليست لها أزمَّة ولا خطم؟! قال الوليد: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ(3).

          وهذه الشروط إذا توفرت في حديث بقية فهذا يكون من أقوى حديثه، وقد يُتساهل في بعضها.

وهذا الحديث قد اجتمعت فيه هذه الشروط ، فآدم الراوي عنه في هذا الحديث ثقة جليل معروف بالإتقان والضبط، وهو ليس بحمصي، وإنما نشأ في بغداد وسكن عسقلان.

          والخلاصة أن هذا الحديث بهذا الإسناد حسن، ويشهد له الحديث السابق، وهناك أحاديث أخرى بمعنى هذا الحديث خرّجها ابن أبي عاصم في «السنة» وغيره.

          وقد تقدم في الحديث السابق حديث جابر عن أبي سعيد وفيه: «فيقال لهم: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..» وإحدى الروايتين تفسر الأخرى.

          وأما كلام أهل اللغة:

 فقال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» (3/335) في مادة (صحب) قال: الصاد والحاء والباء أصل واحد، يدلُّ على مقارنة شيء ومقاربته من ذلك الصاحب، والجمع الصحب، كما يقال: راكب وركب، ومن الباب: أصحب فلان إذا انقاد، وأصحب الرجل إذا بلغ ابنه، وكل شيء لازم شيئاً فقد استصحبه .اهـ .

          وقال ابن سيده في «المحكم» (3/119) : وصاحبه عاشره ، والصاحب المعاشر .اهـ .

          وقال ابن منظور في «اللسان» (1/519) بمثل ما جاء في «المحكم».

وفيهما (1) أيضاً: وصحب المذبوح: سلخه ـ في بعض اللغات ـ اهـ.

وقال صاحب «القاموس» بمثل ما تقدم (1/91).

          وفي «المعجم الوسيط» (1/507): صاحبه رافقه، واستصحب الشيء لازمه، والصاحب: المرافق، ومالك الشيء، والقائم على الشيء، ويطلق على من اعتنق مذهباً أو رأياً، والصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام .ا.هـ .

          وفي «الإفصاح في فقه اللغة» (ص: 708) : الصحبة المعاشرة .اهـ.

          فهذا كلام أهل اللغة ليس فيه اشتراط(1) طول الملازمة في الصحبة، أو ذكر حد معين لها سوى الملازمة والمرافقة، وهذا يطلق على القليل والكثير، ولذلك بيَّن ابن فارس أصل الصحبة أنها تدل على المقارنة والمقاربة.

ولذلك قال ابن تيمية- كما في «مجموع الفتاوى» (4/464)- : والصحبة اسم جنس يقع على من صحب النبيصلى الله عليه وسلم قليلاً أو كثيراً، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك، فمن صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه مؤمناً، فله من الصحبة بقدر ذلك.

          كما ثبت في «الصحيح» عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال : «يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صحب النبيصلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم ، فيفتح لهم ، ثم يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  فيقولون:  نعم ، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم».

          فقد علق النبيصلى الله عليه وسلم الحكم بصحبته، وعلقه برؤيته، وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمناً به، وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابهصلى الله عليه وسلم .

          وقال الفيومي في «المصباح» (ص: 333)  في مادة (صحبته): والأصل في هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسة، ووراء ذلك شروط للأصوليين . اهـ .

          قلت: بيَّن الفيومي أن الأصل في الصحبة هو لمن حصل له رؤية ومجالسة، وأن هذا معناه في اللغة، وأن الأصوليين شرطوا شروطاً أخرى ولم تكن موجودة في اللغة، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذه المسألة.

وهذا ما ذهب إليه الجمهور(2)، وهو المشهور عند أهل الحديث(3)، قال الإمام أحمد: كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه.اهـ(1).

          وقال البخاري في «صحيحه» (5/2) : ومن صحب النبيصلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

 وقال الواقدي: رأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أدرك الحلم وأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبيصلى الله عليه وسلم، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام. اهـ . من «الكفاية» (ص:50) .

          وأما من قال: إن مذهب الأصوليين هو: اشتراط طول الصحبة والملازمة(2)، حتى يطلق عليه اسم الصحبة، أو نحو هذا، فهذا الكلام باطل من أوجه :

1-       تقدم أن الذي دل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية هو خلاف هذا القول .

2-   أننا لو أردنا قولاً بلا دليل ـ ونعوذ بالله من ذلك ـ لقلنا بقول أهل الحديث؛ لأنهم أعلم بهذه المسألة من غيرهم، وتقدم أنهم يذهبون إلى خلاف هذا القول.

3-   أن الأصوليين لم يتفقوا على هذا القول، بل ذهب كثير منهم إلى خلافه، قال الآمدي في «الإحكام» (2/130) : اختلفوا في مسمى الصحابي: فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبيصلى الله عليه وسلم وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته.

قلت: ثم ذكر القول الآخر، ثم قال: ويدلّ على ذلك ثلاثة أمور:

الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير، ومنه يقال: صحبته ساعة وصحبته يوماً وشهراً، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلان كلمني وحدثني وزارني، وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة.

الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلاناً في السفر، أو ليصحبنه، فإنه يبر ويحنث بصحبته ساعة.

الثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلاناً، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يوماً أو أكثر من ذلك، ولولا أن الصحبة شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها لما احتيج إلى الاستفهام. اهـ .

          وقال القاضي أبو يعلى في «العدة في أصول الفقه» (3/988) : الصحبة في اللغة من صحب غيره قليلاً أو كثيراً، ألا ترى أنه يقال: صحبت فلاناً وصحبته ساعة، ولأن ذلك الاسم مشتق من الصحبة، وذلك يقع على القليل والكثير، كالضارب مشتق من الضرب، والمتكلم مشتق من الكلام، وذلك يقع على القليل والكثير، كذلك هاهنا. اهـ .

          وقال أبو محمد ابن حزم في كتاب «الإحكام» (5/89) : أما الصحابة رضي الله عنهم، فهو كل من جالس النبيصلى الله عليه وسلم ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه عليه السلام أمراً بعينه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهرحتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب، وكلهم عدل وإمام فاضل رضي، فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم، وأن نستغفر لهم ونحبهم، وتمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقه أحدنا بما يملك، وجلسة من الواحد منهم مع النبيصلى الله عليه وسلم أفضل من عبادة أحدنا دهره كله.

          وسواء كان من ذكرنا على عهده عليه السلام صغيراً أو بالغاً، فقد كان النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أجمعين من أبناء العشر فأقل إذ مات النبيصلى الله عليه وسلم، وأما الحسين فكان حينئذ ابن ست سنين إذ مات النبيصلى الله عليه وسلم، وكان محمود بن الربيع ابن خمس سنين إذ مات النبيصلى الله عليه وسلم، وهو يعقل مجةً مجها النبيصلى الله عليه وسلم في وجهه من ماء بئر دارهم، وكلهم معدودون في خيار الصحابة، مقبولون فيما رووا عنه عليه السلام أتم القبول، وسواء في ذلك الرجال والنساء والعبيد والأحرار...

          ثم قال: وأما من ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن لقيه، ثم راجع الإسلام وحسنت حاله، كالأشعث بن قيس وعمرو بن معدي كرب وغيرهما، فصحبته له معدودة، وهو بلا شك من جملة الصحابة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أسلمت على ما سلف لك من خير»، وكلهم عدول فاضل من أهل الجنة...

          ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك، ثم قال: وقد قال قوم: إنه لا يكون صاحباً من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، لكن من تكررت صحبته.

          قال أبو محمد: وهذا خطأ بيقين؛ لأنه قول بلا برهان، ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر، وعن مدة الزمان الذي اشترط، فإن حدَّ في ذلك حداً كان زائداً في التحكم بالباطل، وإن لم يحد في ذلك حداً كان قائلاً بما لا علم له به، وكفى بهذا ضلالاً.

وبرهان بطلانه قوله أيضاً: إن اسم الصحبة في اللغة إنما هو لمن ضمته مع آخر حالة ما، فإنه قد صحبه فيها، فلما كان من رأى النبيصلى الله عليه وسلم وهو غير منابذ له ولا جاحد لنبوته قد صحبه في ذلك الوقت، وجب أن يسمى صاحباً. اهـ .

          وقال محمد بن إبراهيم الوزير في «العواصم والقواصم» (1/389): الصحبة تطلق كثيراً في الشيئين إذا كان بينهما ملابسة، سواءً كانت كثيرة أو قليلة، حقيقية أو مجازية، وهذه المقدمة تُبين بما ترى من ذلك في كلام الله ورسوله، وما أجمع العلماء عليه من العبارات في هذا المعنى.

          أما القرآن، فقال الله تعالى: {قال لصاحبه وهو يحاوره} [الكهف:34] فقضى بالصحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من ملابسة الخطاب للتقدم، وقد أجمعت الأُمة على اعتبار الإسلام في اسم الصحابي، فلا يُسمّى من لم يسلم صحابياً إجماعاً ، وقد ثبت بالقرآن أن الله سمّى الكافر صاحباً للمسلم، فيجب أن يكون اسم الصحابي عرفياً، وإذا كان عرفياً اصطلاحياً كان لكل طائفة أن تصطلح على اسم كما سيأتي تحقيقه.

          قال تعالى: {والصاحب بالجنب} [النساء:36] وهو المرافق في السفر، ولا شك أنه يدخل في هذه الآية الملازم وغيره، ولو صحب الإنسان رجلاً ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك؛ لأنه يصدُق عليه أن يقول: صحبت فلاناً في سفري ساعة من النهار؛ ولأن من قال ذلك لم يردّ عليه أهل اللغة ويستهجنوا كلامه.

          وأما السنة فكثير غير قليل، ومن أوضحها ما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «إنكن صواحب يوسف»، فانظر أيها المنصف ما أبعد هذا السبب الذي سُمّيت به النساء صواحب يوسف، وكيف يستنكر مع هذا أن يسمى من آمن برسول الله ووصل إليه وتشرَّف برؤية غرّته الكريمة صاحباً له ؟! ومن أنكر على من سمّى هذا صاحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلينكر على  رسول الله حيث سمّى النساء كُلهُنَّ صواحب يوسف.

          ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه على النبيصلى الله عليه وسلم أن يقتل عبد الله بن أُبيّ - رأس المنافقين - فقال عليه السلام : «إني أكره أن يُقال: إن محمداً يقتل أصحابه»، فسماه صاحباً - مع العلم بالنفاق- للملابسة الظاهرة، مع العلم بكفره الذي يقتضي العداوة، ويمحو اسم الصحبة في الحقيقة العرفية.

          ومما يدل على التوسع الكثير في اسم الصحبة إطلاقها بين العقلاء وبين الجمادات، كقوله تعالى: {يا صاحبي السجن} [يوسف: 39]، ومثل تسمية ابن مسعود: صاحب السواد ، وصاحب النعلين والوسادة.

          وأما الإجماع فلا خلاف بين الناس أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لاقى المشركين في الحرب، فقُتِل من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم جماعة، ومن المشركين جماعة، أن يُقال: قُتِل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرى عمل المؤرخين والإخباريين يقولون في أيام صفين: قُتِل من أصحاب علي كذا، ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يعنون بأصحاب علي من لازمه وأطال صحبته، بل من قاتل معه شهراً أو يوماً أو ساعة، وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار(1).

          ومن ذلك أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة ... يقال هذا لمن لم ير الشافعي ولا يصحبه قليلاً ولا كثيراً؛ لملابسة ملازمة المذهب، ولو دخل في مذهب الشافعي في وقت لقيل له في ذلك الوقت: قد صار من أصحابه من غير إطالة ولا ملازمة للقول بمذهبه.

وكذا تسميته عليه السلام: «صاحب الشفاعة» قبل أن يشفع، هذه ملابسة بعيدة .

وكذا أصحاب الجنة قبل دخولها وأمثال ذلك ، وكذلك سائر هذه الأشياء مما أجمع على صحته ، كل هذا دليل على أن اسم الصحبة يطلق كثيراً مع أدنى ملابسة والأمر في هذا واسع. اهـ .

          نقلت هذه النصوص على طولها لأن فيها رداً واضحاً على من اشترط في الصحبة طول الملازمة.

          فتبين مما تقدم أن كثيراً من أهل الأصول يذهب إلى قول الجمهور في الصحابة، ولذلك قال العراقي في «التقييد والإيضاح» (ص: 256) - متعقباً قول أبي المظفر السمعاني أن طريقة الأصوليين يشترطون في الصحابي طول الصحبة وكثرة المجالسة - قال: إن ما حكاه عن الأصوليين هو قول بعض أئمتهم، والذي حكاه الآمدي عن أكثر أصحابنا أن الصحابي من رآه، وقال: إنه الأشبه، واختاره ابن الحاجب. اهـ . ثم ذكر بعض من يذهب إلى قول الأصوليين.

          وينظر أيضاً: «الواضح فـي أصول الفقه» لابن عقيل( 5/59 ـ 64)، و«الروضة» لابن قدامة (ص: 119)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي( 2/185-187)، و«إرشاد الفحول» (ص: 70)، و«مذكرة الأصول» للشنقيطي (ص: 124، 125).

          وقال بعضهم: إن الممدوح من الصحابة هو من كان من أهل الجهاد والإنفاق دون غيره.

          فأقول: هذا قول مخترع، وقد قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] .

فهذه الآية الكريمة فيها إبطال لهذا القول، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم : « لاتسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه».

          ولذلك قال ابن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد ، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره(1).

          وأما ما رواه(1) محمد بن سعد عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السنبلاني: أتيت أنس بن مالك فقلت: إنك آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي.

          وقال ابن الصلاح في «علوم الحديث »(ص 146) : وروينا عن شعبة عن موسى السيلاني ـ وأثنى عليه خيراً ـ قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيرك ؟ قال: بقي ناس من الأعراب وقد رأوه، فأما من صحبه فلا. إسناده جيد، حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة. اهـ .

فالجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: إسناد هذا الخبر ليس بالقوي تماماً، وذلك أن موسى السيلاني ـ وقيل السنبلاني ـ ليس بالمشهور تماماً، بل هو مقل، وترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ( 8/169) ونقل عن يحيى بن معين أنه قال عنه: ثقة. وتقدم أن شعبة أثنى عليه .

وفي «تاريخ واسط» (ص: 64) من طريق شعبة عن موسى السيلاني قال: دخلت على أنس بن مالك منزله فرأيت في بيته مرافقاً صفواً.

وفيه أيضاً عن شعبة: موسى السيلاني من أهل الفاروث. اهـ .

وليس لموسى رواية عن أنس في الكتب الستة، ولا في العشرة، ولا في «المختارة» للضياء - وقد توسع في ذكر مرويات أنس -، ويظهر أنه ليس له خبر مسند عن أنس، وإنما له ما تقدم، ويؤيد هذا أن صاحب «تاريخ واسط» قال في مقدمة ترجمة أنس عندما ترجم له في كتابه (ص: 58) : الذي اتصل بنا ممن حدث عن أنس بن مالك من أهل واسط، أُخرِّج لكل رجل حديثاً ليعرف موضعه، وبالله التوفيق . اهـ .

          ثم ذكر من روى عن أنس من أهل واسط وذكر لهم أحاديث ـ في الغالب ـ ، وعندما ذكر موسى لم يذكر له شيئاً مسنداً عن أنس، وإنما ذكر له ما تقدم، وهذا يدل -والله أعلم- على أنه لم يقف له على خبر مسند رواه عن أنس.

          فمن كان بهذه الصفة ليس له رواية وإنما حكاية عن أنس، ولعل شعبة تفرّد بالرواية عنه، ولم يترجم له البخاري في «تاريخه»، ولا ابن حبان في «ثقاته»، لا يكون مشهوراً، خاصة أنه لم يذكر اسم أبيه، واختلف في نسبه، وأما توثيق يحيى بن معين فلعله لثناء شعبة عليه، وإلا فإنه ليس له من المرويات ما بيّن حاله.

          على أن الراوي عن شعبة وهو علي بن محمد - أحسبه المدائني، فإن ابن سعد مكثر عنه، وهو مذكور بالرواية عن شعبة_ فهو وإن كان صدوقاً وعالماً بالأخبار، وقال عنه ابن معين: ثقة، ثقة، ثقة ، فقد ذكره ابن عدي في «الكامل» (5/1855) وقال: ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار.

الوجه الثاني: ويؤيد ما تقدم أنه جاء عن أنس بإسناد صحيح ما قد يخالف ما رواه موسى السيلاني، روى البخاري في «صحيحه» (4489): ثنا علي بن عبد الله ثنا معتمر عن أبيه عن أنس قال: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري. اهـ .

          قلت: هذا الخبر قد يخالف ما رواه السيلاني؛ لأنه يفيد أن هناك من الصحابة من كان موجوداً(1) عندما ذكر أنس ذلك، فكلام أنس يفيد إثبات الصحبة لهم، ولكن يبين أنه لم يبق أحد من الصحابة ممن صلى القبلتين سواه، فظاهر هذا يخالف ما رواه عنه موسى السيلاني، والله أعلم.

ولا شك أن سليمان التيمي وهو من الحفاظ المشاهير من أصحاب أنس مقدم على موسى السيلاني(2).

الوجه الثالث: يحمل كلام أنس هذا لو ثبت عنه على الصحبة الخاصة كما تقدم في قصة خالد بن الوليد مع عبد الرحمن بن عوف، وقصة أبي بكر مع عمر.

الوجه الرابع: أنه قد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ما قد يخالف هذا.

وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: الصحابة لا تعدهم إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. رواه الخطيب في «الكفاية» (ص: 50) من طريق ابن سعد عن الواقدي أخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه عن سعيد به.

          قلت: هذا لا يصح عن سعيد، لا من جهة الإسناد، ولا من جهة المتن.

          أما الإسناد: ففيه محمد بن عمر الواقدي، والكلام فيه معروف.

وفيه أيضاً: محمد بن سعيد بن المسيب وفيه جهالة، ترجم له البخاري (1/92) وابن أبي حاتم (7/262) وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في «الثقات» كعادته (7/421).

وأما طلحة بن محمد بن سعيد فهو مجهول لا يعرف ، قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (4/476) : لا أعرف طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب إلا أن يكون أخاً لعمران،  والذي عرفت عمران بن محمد بن سعيد روى عنه الأصمعي. اهـ . ولم يترجم له البخاري في «تاريخه» ولا ابن حبان في «ثقاته».

          وأما من حيث المتن: فيبعد جداً أن يقول سعيد بن المسيب مثل هذا الكلام؛ لأنه تحكّم لا دليل عليه، ولم يشترط أحد فيما أعلم مثل هذا الشرط، وهو أن لا يكون الواحد صحابياً حتى يقيم مع الرسول صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، أو يغزو غزوة أو غزوتين، فعلى هذا من كان من القاعدين ممن لا يستطيع الجهاد لا يكون صحابياً!

والنساء أيضاً هل يدخلن في هذا الحد أو لا يدخلن؟ إن كن لا يدخلن فالرجال كذلك؛ لأن الصحبة لا علاقة لها بالقتال، حتى يميّز بالرجال عن النساء، وإن كن يدخلن فكفى بهذا إبطالاً لهذا القول.

          فتبين بطلان هذا الخبر إسناداً ومتناً، وقد رد العراقي هذا الخبر، فقال في «التقييد والإيضاح» (ص: 257) : لا يصح عنه، فإن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف في الحديث. اهـ .

          وأما ما قاله الراغب الأصفهاني في «المفردات» (ص: 275) في مادة (صحب)، قال: الصاحب: الملازم، إنساناً كان أو حيوناً أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن - وهو الأصل والأكثر - أو بالعناية والهمة، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع؛ لأجل أن المصاحبة والاصطحاب تقتضي طول لبثه، فكل اصطحاب اجتماع، وليس كل اجتماع اصطحاباً.

          وإلى هذا ذهب أبو حامد الغزالي في كتابه «المستصفى» (1/165) فقال : فمن الصحابي: من عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من لقيه مرة، أو من صحبه ساعة، أو من طالت صحبته، وما حد طولها؟ قلنا: الاسم لا يطلق إلا على من صحبه، ثم يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته. اهـ .

          فالجواب عن هذا: أن الراغب الأصفهاني والغزالي وغيرهما ممن يقول بذلك بيّنوا أن هذا القيد في الصحبة - وهو طول الملازمة - إنما أُخذ من العرف، والعرف لا يرجع إليه إلا بعد أن لا يوجد حد من الشرع أو اللغة ، فالحقائق ثلاث: الحقيقة الشرعية، ثم اللغوية، ثم العرفية، فلا يرجع إلى الحقيقة العرفية إلا بعد أن لا يكون هناك شرعية أو لغوية، وفي هذه المسألة - وهي الصحبة - بين الشرع واللغة حقيقتها، وحقيقتها كما تقدم تكون بمطلق الصحبة.

          ثم أيضاً لا يُسَلّم أن العرف يشترط في الصحبة طول الملازمة، وتقدم أن أكثر أهل العلم يذهبون إلى أن الصحبة تطلق على صحبة الشخص حتى ولو كانت لمدة قصيرة، والله أعلم.

* * *

 

 

 

شبهة وجوابها

بعد بيان فضل الصحابة وثناء الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم هناك شبهة يحتج بها الجهال وأهل الضلال، وهي: أن من الصحابة من جاء النص بذمِّهم، أو الشهادة لهم بالنار، وأن منهم من شارك في الفتن التي جرت في عهد علي رضي الله عنه،  وبالتالي لا يشملهم المدح والثناء الذي جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

          قلت: الجواب عن هذا وبالله التوفيق من وجهين: إجمالاً وتفصيلاً:

          فأما إجمالاً: فالله تعالى أثنى عليهم، وهو يعلم تعالى ما سوف يقع منهم، ومع ذلك أثنى ربنا عليهم.

          وأما تفصيلاً: فهؤلاء الذين تقدم ذكرهم ينقسمون إلى قسمين:

الأول: من جاءت النصوص بذمهم أو الشهادة لهم بالنار.

الثاني: من لابس الفتن التي وقعت في عصرهم.

          فأما القسم الأول: فالذين جاء النص بذمهم أو الشهادة لهم بالنار ستة وهم:

1-       الحكم بن أبي العاص الأموي.

2-      الرجل الذي كذب على الرسولصلى الله عليه وسلم وزعم أن الرسولصلى الله عليه وسلم كساه حُلّة، وأنه أمره أن يحكم في حي من بني ليث في دمائهم وأموالهم.

3-       الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

4-       أبو الغادية الجهني.

5-       كركرة غلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي غلّ الشملة.

6-       الرجل الذي تزوج زوجة أبيه.

* * *

1_ فأما الحكم بن أبي العاص فثبت أن الرسولصلى الله عليه وسلم لعنه ، فقد أخرج أحمد (2/163) قال: ثنا ابن نمير ثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوساً عند النبيصلى الله عليه وسلم، وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني، فقال صلى الله عليه وسلم ونحن عنده: «ليدخلن عليكم رجل لعين»، فوالله ما زلت وجلاً أتشوّف داخلاً وخارجاً حتى دخل فلان ـ يعني: الحكم - . 

          وأخرجه البزار - كما في «كشف الأستار» (1625)- : ثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد ثنا ابن نمير به، وعنده: الحكم بن أبي العاص. وقال: لا نعلم هذا بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد. اهـ .

          قلت: وهذا إسناد صحيح، وقال الهيثمي (1/112) : رجاله رجال الصحيح.

          وأخرجه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (1/318) من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا عثمان بن حكيم ثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو به.

          والأول أصح؛ لأن ابن نمير أتقن من عبد الواحد بن زياد، مع أن هذا الاختلاف لا يؤثر كثيراً على ثبوت الخبر؛ لأن شعيباً صدوق، وقد سمع من جده عبد الله بن عمرو.

          ويظهر أن هذا الحديث جاء من طريق آخر، فقد ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/243) بنحوه، ثم قال: رواه كله الطبراني(1) ، وحديثه مستقيم، وفيه ضعف غير مبين، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ .

وذكره أيضاً في الموضع الأول (1/112)، وقال:  رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه رجلاً لم يسم.

وذكره بلفظ آخر بنحو الأول، وقال: رجاله رجال الصحيح.

          وأخرجه أحمد (4/5) قال: ثنا عبد الرزاق ثنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير - وهو مستند إلى الكعبة -، وهو يقول: ورب هذه الكعبة، لقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاناً وما ولد من صلبه.

          وأخرجه البزار (2197) - وهو في «كشف الأستار» (1623) -: ثنا أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق به: لعن الحكم وما ولد له.

قال البزار: لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، ورواه محمد بن فضيل أيضاً عن إسماعيل عن الشعبي عن ابن الزبير ثنا به علي بن المنذر.

          وأخرجه الطبراني في «الكبير» (13/121) من طريق محمد بن فضيل وأحمد بن بشير وأبي مالك الجنبي كلهم عن إسماعيل به.

          وأخرجه أيضاً (13/221) : ثنا أحمد بن رشدين المصري ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا ابن فضيل عن ابن شبرمة عن الشعبي به .

 وأخرجه أيضاً (13/118): ثنا الحسن بن العباس الرازي ثنا محمد بن حميد ثنا هارون بن المغيرة عن عمرو بن أبي قيس عن يزيد بن أبي زياد عن البهي عن ابن الزبير به بنحوه.

          وقال الحاكم (4/481): ثنا ابن نصير الخلدي ثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين ثنا إبراهيم بن منصور ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن سوقة عن الشعبي به.

وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه . اهـ .

          قال الذهبي: الرشديني ضعفه ابن عدي.

          قلت: أحمد بن رشدين مختلف فيه ، والإسناد الأول صحيح وصححه الذهبي في «تاريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين» (ص: 368) .

          وجاء هذا الحديث من طرق أخرى لكنها لا تخلو من كلام ([2]) ، فمثله مع ثبوت اللعن من الرسول صلى الله عليه وسلم له يُشك في إسلامه، فضلاً عن صحبته.

قال ابن الأثير في «أسد الغابة» (2/34) : وقد روي في لعنه ونفيه(1) أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبيصلى الله عليه وسلم مع حلمه وإغضائه على ما يكرهه ما فعل ذلك الأمر إلا لأمر عظيم . اهـ .

          قلت: ويؤيد ما قاله ابن الأثير أن الرسولصلى الله عليه وسلم لم يلعن أحداً من المنافقين بعينه ـ فيما أعلم ـ، ولم ينف أحداً بعينه خارج المدينة إلا المخنثين عندما أمر بإخراجهم خارج المدينة، والله أعلم.

ولذلك قال أبو محمد بن حزم في «الإحكام» (6/83) : وكان بها (2) أيضاً من لا يرضى حاله كهيت المخنّث الذي أمر عليه السلام بنفيه، والحكم الطريد، وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة.ا.هـ.

          وقد ذكر الهيثمي حديث لعنه تحت: باب منه في المنافقين كما في «مجمع الزوائد» (1/109)، ولم يذكره البخاري في «التاريخ الكبير» مع الصحابة فيمن اسمه الحكم، بل لم يذكره مطلقاً تحت هذا الاسم، وعندما ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/120) لم ينص على أن له صحبة كما يفعل ذلك كثيراً فيمن كانت له صحبة، وإنما نقل عن أبيه: أنه أسلم يوم الفتح، وقدم على النبيصلى الله عليه وسلم فطرده من المدينة، فنزل الطائف حتى قبض في خلافة عثمان. اهـ .

          ونص آخرون على صحبته، وهذا فيه نظر كما تقدم، ومن يستدل بهذا على أن الصحابة ليسوا كلهم عدول لا شك أنه مخطئ في هذا الخطأ البيّن.

* * *

2_ وأما الرجل الذي كذب على النبيصلى الله عليه وسلم وزعم أنه كساه حلّة، فالجواب عنه: أن خبره لا يصح، وعلى فرض صحته فيقال: إن هذا الرجل الذي فعل ذلك لم يثبت إسلامه فضلاً عن صحبته.

          قال أبو العباس ابن تيمية في «الصارم المسلول» (ص: 171) : وللناس في هذا الحديث قولان:

          أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء من قال يكفر بذلك، قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني... ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله، ولهذا قال: «إن كذباً علّي ليس ككذب على أحدكم»... ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبراً كذب فيه، كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله، ويبيِّن ذلك أن الكذب بمنزلة التكذيب له، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لمّا جاءه} [العنكبوت: 68] .

          بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثماً من المكذِّب له، ولهذا بدأ الله به... فالكاذب على الرسول كالمكذب له...

وأيضاً فإن تعمّد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛  لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمر بها، وهذه نسبة له إلى السَّفه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة، وهذه نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح.

          وأيضاً فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان ... عالماً بكذب نفسه كفر بالاتفاق، فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب شيئاً لم يوجبه، أو حرّم شيئاً لم يحرمه، فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول، وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك...

          فإذ كذب الرجل عليه متعمداً، أو أخبر عنه بما لم يكن، فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه، إذ لو كان كمالاً لوجد منه، ومن انتقص الرسول فقد كفر.

          واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه، لكن يتوجه أن يفرّق بين الذي يكذب عليه مشافهة، وبين الذي يكذب عليه بواسطة، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا، فهذا إنما كذب على ذلك الرجل، ونسب إليه ذلك الحديث.

          فأما إن قال: هذا الحديث صحيح أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالماً بأنه كذب، فهذا قد كذب عليه ... وعجّل عقوبته ليكون ذلك عاصماً من أن يدخل في العدول من ليس منهم من المنافقين ونحوهم.

          وأما من روى حديثاً يعلم أنه كذب فهذا حرام، كما صح عنه أنه قال: «من روى عني حديثاً يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر...

          القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلّظ عقوبته، لكن لا يكفر ولا يجوز قتله؛ لأن موجبات الكفر والقتل معلومة، وليس هذا منها، فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له، ومن قال هذا فلابد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمناً لعيب ظاهر، فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاماً يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة - مثل: حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات - فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهراً، ولا ريب أنه كافر حلال الدم.

          وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث: بأن النبيصلى الله عليه وسلم علم أنه كان منافقاً فقتله لذلك لا للكذب، وهذا الجواب ليس بشيء...

          قلت: ثم بيَّن ضعفه، ثم قال: لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا، وهو أن هذا الرجل كذب على النبيصلى الله عليه وسلم كذباً يتضمن انتقاصه وعيبه؛ لأنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حكّمه في دمائهم وأموالهم، وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم ، ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها، ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكّماً في الدماء والأموال.

          ومعلوم أن النبيصلى الله عليه وسلم لا يحلل الحرام، ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه،  ونسب النبيصلى الله عليه وسلم إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خالياً بها، وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين، وهذا طعن على النبي صلى الله عليه وسلم وعيب له.

          وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة، وهو المقصود في هذا المكان، فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير استتابة على كلا القولين.

          ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن لبادروا إلى الإنكار عليه، ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم لما تعارض وجوب طاعة الرسول، وعظم ما أتاهم به هذا اللعين.

          ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم، ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء، وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه، وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به، والأغراض في الغالب إما مال أو شرف، كما أن المسيء إنما يقصد ـ إذا لم يقصد مجرد الإضلال ـ إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم، أو تحصيل الشهوات الظاهرة، وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كُفر كَفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله. اهـ .

          وقـال المعلمي في «الأنوار الكاشفة» (ص: 273) : وراويه عن ابن بريدة صالح بن حيان وهو ضعيف، له أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رُويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى، وفي كل منهما ضعف،  راجع: «مجمع الزوائد» (1/145).

وعلى فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سوّلت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة، لعله يتمكن من الخلوة بها، ثم يفر، إذ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبيصلى الله عليه وسلم سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن ينزلوا الرجل محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه... ، وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبيصلى الله عليه وسلم غير متهم بالنفاق، ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبيصلى الله عليه وسلم . اهـ .

          فتبيّن أن إسلامه لم يثبت فضلاً عن صحبته، والله أعلم.

* * *

3- وأما الوليد بن عقبة وأنه هو الذي نزل فيه قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا} [الحجرات: 6] ، فهذا لم يثبت بإسناد صحيح بيّن وإن كان ذهب إلى هذا جمع من المفسرين، وخالفهم في ذلك بعض أهل العلم، وقد جاء ما يعارض هذا.

          أخرج أبو داود في «السنن» (4181): ثنا أيوب بن محمد الرقي ثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح رؤوسهم، قال: فجيء بي إليه وأنا مخُلَّق، فلم يمسني من أجل الخلوق .

          وأخرجه أحمد (4/32): ثنا فياض بن محمد الرقي عن جعفر به، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/100) من طريق أحمد(1) به، وقال قبله: وأما الوليد بن عقبة فإنه ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل إليه فحرم بركتهصلى الله عليه وسلم،  ثنا بصحة ما ذكرته .. ثم ذكر الحديث السابق.

          وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (564): ثنا علي بن ميمون العطار ثنا خالد بن حيان عن جعفر ، والطبراني في «الكبير» (22/151): ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي به، وثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا علي بن معبد الرقي ثنا خالد بن حيان به، وثنا مقدام بن داود ثنا أسد بن موسى ثنا زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر عن ثابت عن عبد الله الهمداني(2) أبي موسى عن الوليد بن عقبة، وأبو نعيم في «المعرفة» (6511): ثنا محمد بن محمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أحمد بن حنبل ثنا فياض بن محمد الرقي، وثنا محمد بن محمد ثنا الحضرمي ثنا عبيد بن يعيش ثنا يونس بن بكير قالا: ثنا جعفر(1) به.

          وأخرجه البخاري في «التاريخ الأوسط» (1/116): ثنى محمد بن عبد الله العمري ثنا زيد بن أبي الزرقاء ثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عن الوليد به.

ثنى عبيد بن يعيش ثنا يونس عن حفص عن ثابت به.

ثنا الوليد بن صالح عن فياض الرقي عن جعفر ثنا ثابت به. اهـ .

          كذا وقع في طبعتين(2) : (عن حفص)، ولعل الصواب: (جعفر) كما تقدم عن أبي نعيم في «المعرفة».

وأخرجه البيهقي في «السنن» (6/55) من طريق يونس بن بكير به.

          وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (2/319): ثنا علي بن الحسن الحراني ثنا عمر بن أيوب عن جعفر عن ليث(3) بن الحجاج عن عبد الله الهمداني عن أبي موسى عن الوليد به.

ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي به.

          وقال: فلم يذكر له موسى في هذه الرواية أصلح. اهـ .

          كذا، والمطبوعة فيها أخطاء كثيرة، والمقصود من هذا الكلام مفهوم، وهو عدم ذكر موسى في الإسناد أصح، كما تقدم في الأسانيد السابقة، وقد نبه على هذا الطبراني(4) كما تقدم.

وفي «تهذيب الكمال»: عبد الله أبو موسى الهمداني، روى عن الوليد بن عقبة، وقيل: عن أبي موسى الأشعري عن الوليد بن عقبة وهو وهم .اهـ .

          فإن كان المقصود بأبي موسى الأشعري هو الهمداني فهذا ممكن، وأشعر وهمدان يلتقون في زيد بن كهلان، وإن كان المقصود بأبي موسى الأشعري هو الصحابي فهذا خطأ، ولعله تصحيف أو سبق قلم، وتقدم ذكر الاختلاف، ولم أقف على وقوع الأشعري في أسانيد هذا الخبر.

          وإسناد هذا الخبر رجاله ثقات خلا الهمداني، فجعفر بن برقان ثقة خرّج له مسلم والأربعة والبخاري في «الأدب المفرد»، وإنما تكلم في حديثه عن الزهري، وهذا ليس منها، وثابت بن حجاج وثقه ابن سعد وأبو داود، وروى عن زيد بن ثابت وأبي هريرة وعوف بن مالك من الصحابة، وروى عن بعض التابعين، ومنهم عبد الله بن سيدان وهو من كبار التابعين.

          وأما عبد الله بن الهمداني أبو موسى فذكره البخاري (5/224) وقال: لا يصح حديثه. وذكره في «الضعفاء الصغير» (199) ، وقال أيضاً: لم يصح حديثه. وقال في «التاريخ الأوسط» ـ المطبوع باسم الصغير ـ  (1/116) بعد أن ذكر حديثه: وقال بعضهم: أبو موسى الهمداني وليس يعرف، أبو موسى ولا عبد الله(1) ، وقد خولف: ثني محمد بن الحكم ثنا ابن سابق ثنا عيسى بن دينار ثني أبي سمع الحارث بن ضرار قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر بَعثُه الوليد، فنزلت: {إن جاءكم فاسق بنبأ} [الحجرات:6] . اهـ .

          وذكره العقيلي في «الضعفاء» (2/319) وذكر قول البخاري، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وفي هذا الباب رواية من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا. اهـ . وذكره ابن عدي في «الكامل» (4/1550) ، وذكر قول البخاري فيه ثم قال: وعبد الله الهمداني لم ينسب ولا أعرفه إلا هكذا . اهـ .

          وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (3/631): وقالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صبياً ، يدل أيضاً على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة بني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم  عن الهجرة .. ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز وجل: (إن جاءكم) نزلت في الوليد... ا.هـ

قلت: ثم ذكر بعض ما جاء في ذلك من الآثار.

وقال في كتابه «الكنى» (2/1250) : أبو موسى الهمداني روى عنه عبد الله الهمداني، وعبد الله وأبو موسى الهمداني ليسا بمعروفين، ومنهم من يقول الهمداني في أبي موسى . اهـ .

          وقال أبو القاسم ابن عساكر في «تاريخه» (17/872) : هذا حديث مضطرب الإسناد، لا يستقيم عند أصحاب التواريخ أن الوليد كان يوم فتح مكة صغيراً، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ساعياً.

          قلت: عبد الله الهمداني أبو موسى من التابعين، إما من كبارهم - وهو الأقرب؛ لأن الراوي عنه من الطبقة الوسطى من التابعين - أو من الوسطى، وأما ما جاء من الاضطراب في اسمه، أو ما وقع في بعض الأسانيد: عن عبد الله الهمداني عن أبي موسى، فهذا خطأ، وتقدم كلام العقيلي والطبراني في ذلك،  وهذا هو الصحيح كما وقع في أكثر الأسانيد.

          وعبد الله الهمداني ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح» (5/208)، ونقل عن أبيه أنه قال عنه: لا بأس به. اهـ . وترجم له في قسم الكنى من «كتابه» (9/438)، وسكت عنه: وتقدم أن أبا داود أخرج حديثه وسكت عنه، وقد قال: وما سكت عنه فهو صالح ، وصحح له الحاكم هذا الحديث كما تقدم، وأما ذكر العقيلي(1) وابن عدي له فالذي يبدو أنهما تابعا البخاري في ذلك؛ لأنهما لم ينقلا سوى قول البخاري كما تقدم.

           وأما البخاري فيظهر من كلامه أنه أعلّ هذا الخبر بعلتين هما: جهالة عبد الله الهمداني، وأن هذا الخبر جاء ما يخالفه، وهو ما ذكره كما تقدم.

          والخبر الذي ذكر فيه دينار والد عيسى فيه جهالة، ولم يوثقه إلا ابن حبان كما في ترجمته، وقال ابن المديني: عيسى معروف، ولا نعرف أباه . اهـ .

وتفرد بالرواية عنه ابنه ، وفي هذا الخبر أنه سمع الحارث بن ضرار، وهذا عندي فيه شيء من النظر وذلك أن ديناراً كأنه يصغر عن هذا، وهو مولى عمرو بن الحارث ولد الحارث وليس الحارث ، والحارث قديم، ولعله مات في عهد الرسولصلى الله عليه وسلم، أو في صدر عهد الخلفاء الراشدين؛ لأنه لم يذكر له خبر سوى هذه القصة ـ فيما أعلم ـ، فلعله مات قديماً، فيبعد أن ديناراً سمع منه، وإلا يكون دينار من كبار التابعين، وهذا بعيد.

ومما يدل على صِغَر دينار أن أبا داود (2322) روى من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود .. فلعل هذا يدلّ على تأخره؛ لأنه روى عن ابن مسعود بواسطة، فلو كان من كبار التابعين لروى عنه مباشرة، مع أن ابن مسعود تأخر قليلاً، فقد توفي في خلافة عثمان، وإن كان هذا لا يلزم ولكن يُستأنس به هنا.

          وأيضاً أن عيسى ابنه متأخر، فقد روى عنه وكيع وابن المبارك وأبو نعيم؛ لأن وكيعاً وابن المبارك توفيا قرب المائتين، وأما أبو نعيم فتوفي سنة 217هـ .

          ومما يؤيد هذا أن الخبر الذي رواه عن الحارث فيه مواضع كأن ديناراً لم يسمع منه، وذلك أن فيه: فلما جمع الحارث الزكاة .. فظن الحارث .. فالله أعلم.

          ثم أيضاً هذا الحديث رواه أحمد وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2353) وابن أبي حاتم - كما في «تفسير ابن كثير» (7/371) - والطبراني في «الكبير» (3395) ومطين(1) - كما في الإصابة (1/281) - وأبو نعيم في «المعرفة» (2081)، كلهم من طريق محمد بن سابق ثنا عيسى به.

ولعل محمد بن سابق تفرد به، وهو إن كان  خرّج له الشيخان ولكن فيه بعض الكلام، قال يعقوب بن شيبة: كان شيخاً صدوقاً وليس ممن يوصف بالضبط للحديث، وضعفه ابن معين وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وذكر في ترجمته حديثاً أخطأ فيه، وقد تفرد به، وقال ابن المديني عن هذا الحديث: منكر.

          فإن كان ابن سابق تفرد به فهذا الخبر فيه نظر، وتكون هذه علة أخرى، ولذلك قال ابن منده - كما في «تاريخ ابن عساكر» (17/873) - : هذا حديث غريب، لم نكتبه إلا من هذا الوجه، وقد روي من وجوه أخر . اهـ . والوجوه الأخر يقصد بها الشواهد التي جاءت بمعنى هذا الحديث، ولا يصح منها شيء.

          ولعل خبر عبد الله الهمداني عن الوليد(1) أقوى من هذا الخبر وحده، وإن كان جاء ما يشهد لهذا الخبر، ولكن كلها لا تصح، وهذا الخبر من أحسنها، كما ذكر ابن كثير في «تفسيره» (7/370) .

          وأما ما قال أبو عمر ابن عبد البر من كون هذا الحديث مضطرب، فهذا فيه نظر كما تقدم، وأنه ليس بمضطرب ، وأما جهالة أبو موسى الهمداني فتقدم الكلام عليها.

          وأما قوله: إن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم ، فهذا من كلام أهل السير، وليس له إسناد فيما أعلم.

          وأما قوله: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن آية {إِن جَاءكُم فَاسِقٌ} نزلت فيه، فالجواب عن ذلك: أن أهل العلم مختلفون في ذلك، وإن كان أكثـرهم ذهب إلى ذلك،  ولكن خالفهم غيرهم، ومنهم: أبو عبد الله الحاكم -كما تقدم نقل كلامه-، وأبو بكر الخطيب، فقال - كما في «تاريخ ابن عساكر» (17/870) ترجمة الوليد - : أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه وهو طفل صغير، وكان أبوه من شياطين قريش. وقال أبو نصر بن ماكولا نحو ذلك . اهـ .(2)

          فالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والله تعالى أعلم.

          وقد أخرج عبد بن حميد في «تفسيره» - كما في «الدر المنثور» (7/557) - عن الحسن أن رجلاً أتى النبيصلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني فلان ـ حياً من أحياء العرب، وكان في نفسه عليهم شيء ـ قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله، فلم يعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا خالد بن الوليد .. وذكر قصة طويلة.

وهذا الخبر لا يصح أيضاً، والشاهد منه أن في الخبر لم يذكر من الذي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم .

* * *

4- وأما أبو الغادية الجهني، فثبت أنه قتل عمار بن ياسر رضي الله عنهما ، فقد أخرج عبد الله بن أحمد (4/76) من طريق ابن عون عن كلثوم بن جبر قال: كنا بواسط عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فإذا عنده رجل يقال له: أبو الغادية، فذكر قصة قتله لعمار.

          وأخرجه البخاري في «الأوسط» (1/189) من طريق ابن عون به ، وأخرج ابن سعد في «الطبقات» (3/260) قال:  أخبرنا عفان بن مسلم أخبرنا حماد بن سلمة أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي الغادية بالقصة .

وأخرج الطبراني في «الكبير» (22/363): ثنا علي بن عبد العزيز وأبو مسلم الكشي قال: ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا ربيعة بن كلثوم ثنا أبي قال: كنت بواسط... فذكر قصة قتله لعمار(1).

          وأخرجه أيضاً (22/364): ثنا أحمد بن داود المكي ثنا يحيى بن عمر الليثي ثنا عبد الله بن كلثوم بن جبر قال: سمعت أبي، فذكر القصة بنحو ما تقدم.

          أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (1120): ثنا إبراهيم بن الحجاج السامي ثنا مزيد(2) بن عامر الهنائي نا كلثوم بن جبر قال: كنت بواسط ... فذكر ما تقدم.

          وأخرجه البخاري في «الأوسط» (1/188): ثنا حرمي بن حفص ثنا مرثد بن عامر به، و(1/271): ثنا قتيبة ثنا مرثد به.

          قلت: هذه القصة تدور على كلثوم بن جبر، وقد وثقه الجمهور، وقال النسائي عنه: ليس بالقوي، والإسناد إلى كلثوم صحيح، وقد جاء من طرق عنه كما تقدم.

وتابعه عند ابن سعد أبو حفص، ولا أدري من هو؟ وهناك جمع ممن يكنّى بهذه الكنية، ولكن لم أقف على أحد منهم، وذُكر أنه يروي عن أبي الغادية، وعنه حماد بن سلمة(3).

          وأما الشهادة له بالنار: فقد أخرج أحمد (4/198): ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي الغادية قال: قتل عمار فأُخبر عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: فإنك هو ذا تقاتله، قال: إنما قال: قاتله وسالبه.

          أخرج هذا ابن سعد في «الطبقات» بنفس الإسناد كما تقدم، وهذا صحيح إلى أبي الغادية كما تقدم، لكن قوله: فأخبر عمرو بن العاص … هل يرويه أبو الغادية عن عمرو أو هو من رواية كلثوم بن جبر عن عمرو بن العاص؟ فإن كان الأول فهو صحيح كما تقدم، وإن كان الثاني، وهو الأقرب؛ لأن فيه: فأُخبر عمرو، وفيه أيضاً: قيل لعمرو: فإنك هو ذا تقاتله، كأن هذا يفيد أن أبا الغادية لا يرويه عن عمرو، ولذلك قال الذهبي في «السير» (2/544): إسناده فيه انقطاع.

          ولعله يقصد بالانقطاع هو ما تقدم؛ لأن كلثوم بن جبر لا يعرف له سماع من عمرو، وإنما يروي عن صغار الصحابة،  ومن تأخرت وفاته منهم، بل يروي عن التابعين، وأبو الغادية يظهر أنه ممن تأخرت وفاته؛ لأن البخاري في «تاريخه» ذكر أبا الغادية فيمن مات ما بين السبعين إلى الثمانين، وذكره أيضاً فيمن مات ما بين التسعين إلى المائة، ولذلك قال أبو الفضل ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (2/520) : وعُمِّر عمراً طويلاً . اهـ . وكلثوم صرح بسماعه من أبي الغادية كما تقدم.

          طريق آخر: قال ابن أبي عاصم في «الآحاد و