: المكتبة المقروءة : صوتيات مفرغة
طباعة

  : المكتبة المقروءة : صوتيات مفرغة
كتاب الصلاة من الترمذي2
 

 

تفريغ الشريط الثاني

وصرح بالتحديث من شيخه، فهذا القسم يعتبر حسن، والقسم الثالث: إذا روى فيما يتعلق في هذه الأشياء, ولم يصرح بالتحديث، فأيضاً هذا القسم يعتبر حسن، لكن دون القسم الثاني، وجعلناه دون القسم الثاني؛ لأن ابن إسحاق موصوف بالتدليس، لكن ذكرنا سابقاً من القسم الأول، وذكرنا سابقاً أن التدليس على قسمين لا ثالث لهما: إما أن يكون هذا الشخص مكثر من التدليس, أو مقل، وابن إسحاق تبين لنا بالدليل أنه مقل، فأهل العلم عملهم فيما يتعلق بابن إسحاق على هذا الشيء، وكذلك أيضاً التتبع لحديث ابن إسحاق يدل على هذا، فقد تتبعنا الكثير من أحاديثه فوجدنا الغالب على أحاديثه الاستقامة، فهذه أقسام حديث ابن إسحاق، وكما ذكرنا الأدلة سابقاً على هذا القول، وهذا القول هو مذهب جمهور أهل العلم، وذكرنا عن ابن المديني وابن عدي أنهم ما وجدوا حديثاً منكراً لابن إسحاق، وذكرنا أن شعب بن الحجاج، وسفيان بن عيينه قد لقباه بأمير المؤمنين في الحديث، وما في شك أن هذه مبالغة في الثناء على ابن إسحاق.

عن عاصم بن عمر بن قتادة، هو ابن النعمان الأوسي الأنصاري المدني، أبو عمر, أو أبو عمرو، على خلاف بين أهل العلم في كنيته، وهو من الطبقة الرابعة وتوفي في حدود 120هـ، وقد أخرج له الجماعة، وعاصم بن عمر ذهب جمهور أهل العلم إلى توثيقه توثيقاً مطلقاً، وممن نص على توثقيه: ابن معين, وأبو زرعه, والنسائي, وابن سعد, والبزار، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يخالف في هذا التوثيق إلا ما كان من ابن عبد البر - رحمه الله -وكذلك أيضاً ابن العربي المالكي، فكلاهما قال عن عاصم بن عمر: ليس بالقوي، وطبعاً الجواب عن هذا: أن هذا القول أنه ما في شخص مخالف لتوثيق الجمهور وكذلك أيضاً مخالف لقول كبار أهل الحديث، كابن معين وأبو زرعه، والنسائي, الذين ذهبوا إلى توثيق عاصم بن عمر هذا، كذلك أيضاً الأمر الثالث: أن تضعيف ابن عبد البر والمالكي تضعيف المجمل، فالتوثيق الموجود يقدم على التضعيف المجمل، التوثيق الذي وجد في عاصم بن عمر مقدم على هذا التضعيف المجمل، والأمر الرابع: أن ابن عبد البر - رحمه الله -ما في شك أنه من كبار علماء الأمة، ومن أئمة أهل السنة, والجماعة، إلا أنه - رحمه الله -فيما يتعلق بعلم الرجال مرات توجد له أقوال شاذه، فكما قال عن حمران مولى عثمان, وحمران الأئمة قد أخرجوا في حديثه في صحاحهم، فأحتج به الشيخان البخاري, ومسلم، ومع ذلك ابن عبد البر يقول عن حمران: أن أهل العلم لا يحتجون بحديثه، كذلك أيضاً ابن عبد البر - رحمه الله -قال عن ابن إسحاق البزاري، عفواً الذي قال لا يحتجون بحديثه هو ابن سعد وليس ابن عبد البر، ابن عبد البر قال عن ابن إسحاق البزاري وهو من كبار الحفاظ، قال عنه: ليس بالقوي كثير الخطأ، فالخلاصة عند ابن عبد البر - رحمه الله -عنده بعض الشذوذ فيما يتعلق بنقد الرجال، وهذا يظهر لمن يتتبع كتابه التنبيه، وأما ابن العربي المالكي - رحمه الله -فما في شك أنه من كبار العلماء في عصره، إلا أنه ليس من أئمة النقد كيحيى بن معين, أبو ابن المديني، أو البخاري، وما شابه ذلك، فيبدو أنه هنا قد تابع ابن عبد البر، فما في شك أن عاصم بن عمر أنه ثقة كما نص على ذلك كبار الحفاظ.

عن محمود بن لبيد، هو الأنصاري المدني، ومحمود بن لبيد هذا قد اختلف في حقبته، فمنهم من ذهب إلى أنه صحابي، ومنهم من ذهب إلى أنه ليس بصحابي، فالذين نصوا على عدم صحبته: ابن سعد, وكذلك أيضاً الإمام مسلم، وكذلك أيضاً يعقوب بن سفيان الفسوي، ذهبوا إلى عدم صحبة محمود بن لبيد، وممن ذهب إلى أنه: صحابي البخاري, وأبو حاتم, وابن حبان, وابن عبد البر، وغيرهم ذهبوا إلى أنه صحابي، طبعاً والراجح من هذين القولين أنه صحابي، بدليل أنه ثبت في كتاب التاريخ للبخاري أنه قال أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم وفاة سعد بن معاذ أسرع بنا جداً حتى أن نعالنا انقطعت، فهذا يفيد بأنه كان مدرك للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان حاضر جنازة سعد بن معاذ، ومعلوم أن سعد بن معاذ توفي في العام الخامس.

قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال آتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى بنا صلاة المغرب، فدل هذا أيضاً على أن محمود بن لبيد صحابي، فالراجح على أن محمود بن لبيد صحابي، ومحمود بن لبيد هذا تأخرت وفاته، فتوفي في عام 96هـ، وقيل في عام 97هـ، فهو من آخر الصحابة وفاة في المدينة.

عن رافع بن خديج ، هو الأنصاري المدني وهو أيضاً صحابي جليل وتوفي عام 74هـ، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر} قبل أن نأتي إلى الفقه في هذا الحديث، نذكر من أخرج هذا الحديث، فهذا الحديث قد أخرجه أبو داوود في كتابه السنن، وكذلك النسائي وابن ماجة، وأبو داوود الطيالسي، والإمام أحمد، والدارمي، وابن حبان، وأبو قاسم البغوي في حديث علي بن الجعد، وابن المنذر في كتابه الأوسط، وابن أبي شيبة والطحاوي، والبيهقي، كلهم هؤلاء رووه من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، بعضهم من طريق ابن إسحاق، وبعضهم من طريق محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وهناك أيضاً متابعات لعاصم بن عمر بن قتادة، فتابع عاصم بن عمر بن قتادة زيد بن أسلم، كما هو عند النسائي والإمام أحمد والطحاوي، وكذلك أيضاً لهذا الحديث أساليب أخرى، بل هذا الحديث جاء عن ثلاث, أو عن أربعة من الصحابة، لكن هذا الحديث لا يثبت إلا عن رافع بن خديج ، هذا الحديث جاء عن أنس بن مالك، وجاء عن هلال، وجاء عن أبي هريرة، وجاء عن غيرهم من الصحابة، لكن لا يثبت إلا من حديث رافع بن خديج، هذا ما يتعلق بتخريج هذا الحديث، أما ما يتعلق بصحة هذا الحديث فهذا الحديث قد صححه الترمذي, وكذلك أيضاً صححه ابن حبان, وكذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية، وأبو القطان الفاسي، وابن حزم، ولا أعرف أن أحداً قد ضعف هذا الحديث إلا ما كان من ابن العربي المالكي، ففي كتابه (( عارضة الأحوجي)) ضعف هذا الحديث، وحجته في تضعيف هذا الحديث هو عاصم بن عمر، وقال: هو ليس بالقوي، طبعاً وأجبنا عن هذا التضعيف فيما سبق، فالراجح أن هذا الحديث حديث صحيح، كما نص على ذلك جمهور أهل العلم، أما ما يتعلق بفقه هذا الحديث، فأهل العلم اختلفوا في هذا الحديث في أربعة أقوال: فبعضهم قال أن معنى أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر: أي أخروا الصلاة إلى أخر وقتها، وهذا هو مذهب الحنفية، كما ذكرنا فيما سبق، وبعضهم قال أن المقصود بهذا الحديث هو صلوا في أول وقت الصلاة, ثم أطيلوا في الصلاة حتى تنتهوا ويكون الوقت قد أوشك على الخروج، وإنما المقصود هو التأخير والإطالة في هذا الصلاة، والقول الثاني في معنى هذا الحديث هو ما ذهب إليه أبو حاتم ابن حبان، وأن المقصود بهذا الحديث هو التأكد من دخول وقت صلاة الفجر، وقال هذا يكون في الليالي المقمرة، ففي الليالي المقمرة يكون الفجر قد ما يتبين لبعض الناس؛ يعني قد يغطي عليه ضوء القمر، فيشتبه على بعض الناس فيظنون أن الفجر قد طلع، فيصلون هذه الصلاة في غير وقتها، فلذلك الأمر بالتأكد من دخول وقت الصلاة، والتأخير نوعاً حتى يكون الإنسان متيقن من أن وقت صلاة الفجر قد دخل، والقول الرابع: هو قريب من هذا القول، وأن المقصود أيضاً هو التأكد من دخول وقت صلاة الفجر، لكن هذا ليس خاصاً بالليالي المقمرة فهذا هو الفرق بين القول الثالث والقول الرابع، والقول الرابع: هو ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن معنى هذا الحديث هو التأكد من دخول وقت الفجر، فبعض الناس قد يستعجل في هذه الصلاة، ويكون قد صلى مثلاً قبل دخول وقت هذه الصلاة، أو هو في شك من دخول وقت هذه الصلاة، فلذلك أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التأكد من وقت دخول هذه الصلاة، إذا ما استدل به الحنفية من تأخير الصلاة، دليلهم هو هذا الحديث، ليس فيه دليل على ما قالوا، بدليل الأحاديث السابقة، فالأحاديث السابقة التي ذكرناها، من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان غالب عليه ما يصلي الصلاة في أول وقتها، تبين وتفسر وتشرح هذا الحديث، فإذاً جمعاً بين الأحاديث الواردة في هذا الباب أن هذا الحديث معناه: هو التأكد من وقت دخول صلاة الفجر، فلا بد من الجمع بين الأحاديث والجمع بين النصوص، وبحمد الله أن النصوص ليست بالمتعارضة، فالنصوص التي ذكرناها فيما سبق تدل على أن هذا الحديث هو التأكد من دخول وقت صلاة الفجر، ثم قال أبو عيسى وقد روى شعبة والثوري هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، طبعاً رواية شعبة رواها أبو داوود الطيالسي وغيره، ورواية الثوري أيضاً قد رواها عبد الرزاق وغيره، ورواية شعبة عند أبو داوود الطيالسي، ورواية الثوري عند عبد الرزاق، وكذلك أيضاً غيرهم قد روى هذا الخبر من طريق شعبة والثوري عن محمد بن إسحاق، قال ورواه محمد بن عجلان، أيضاً النسائي والإمام أحمد وغيرهم قد رووا هذا الخبر من طريق محمد بن عجلان، أيضاً عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال وفي الباب عن أبي برزة الأسلمي وجابر وبلال، حديث أبي برزة الأسلمي رواه البخاري ومسلم، وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفجر بغلس، وحديث جابر أيضاً قد رواه الشيخان، وهو أيضاً بلفظ حديث أبي برزة الأسلمي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفجر بغلس، وحديث بلال هو بنفس حديث رافع خديج، وحديث بلال رواه البزار والطبراني، وكما ذكرت هو لا يصح عن بلال، بل في الإسناد الذي لا يرفعه؛ قال أبو عيسى حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، ذكرنا فيما سبق أن حديث رافع بن خديج حديث صحيح، وأما جمهور العلماء قد نصوا على صحته، ثم قال قد رأى غير واحد أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين الإسفار بصلاة الفجر، وفيه يقول: سفيان الثوري، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق، معنى الإسفار: أن يضح الفجر فلا يشك فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة، وذكرنا فيما سبق أن هذا القول هو الراجح في معنى هذا الحديث, وهو الذي دلت عليه الأحاديث الأخرى، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

ذكرنا فيما سبق أن قول الترمذي وابن برزة، أي معنى هذا الكلام أن هناك أحاديث تدل على هذه المسألة من حيث الإسناد، حديث ابن برزة يدل على أن السنة في الفجر هو التغليس، فحديث ابن برزة وغيره من الأحاديث تبين هذا الحديث وتشرح هذا الحديث، وأيضاً هي في نفس هذه المسألة .

أي نعم قال بهذا القول الطحاوي في شرح معاني الآسار، هذا القول المشروع عند الحنفية هو التأخير، وأما إذا كان هذا هو قوله، يكون القول الآخر قول الأحكام، أيضاً أهل العلم قد نسبوه إليه، وما في شك أن الطحاوي أعلم الناس في أبو حنيفة، لكن أهل العلم قد نسبوه إليه وهو مشهور.

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقال أبو عيسى الترمذي:حدثنا هناد بن السري، وهناد بن السري تقدم لنا كثيراً وهو أبو السري التميمي وهو ثقة مكثر من الحديث من الطبقة العاشرة، وتوفي في عام 243هـ، وقد أخرج له مسلم وبقية أصحاب السنن.

قال حدثنا وكيع، هو ابن الدواء أبو عاصم أبو سفيان الكوفي, وهو من كبار الحفاظ, ومن كبار الأئمة, وهو من كبار الطبقة التاسعة، وتوفي في عام 196هـ، أو في بداية عام 197هـ، وقد اخرج ل وكيع الجماعة.

عن سفيان، هو ابن سعيد بن موثوق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، وهو أيضاً من كبار العلماء, ومن كبار الحفاظ, ومتفق على إمامته, وعلى جلالته، وهو من الطبقة السابعة وتوفي في عام 161هـ.

عن حكيم بن جبير، هو الأسدي، وقيل مولى الحكم بن أبي العاص الثقفي، وقيل مولى لبني أمية، وحكيم بن جبير هذا شبه اتفاق بين الحفاظ على تضعيفه، فضعفه الإمام أحمد, والنسائي, ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم الرازي، وزاد أبو حاتم فقال: منكر الحديث، وقال أبو معين وأبو داوود: ليس بشيء، وتركه شعبة, وقال الدار القطني متروك، وكذلك أيضاً ضعف السادي, وعبد الرحمن بن مهدي، لكن نقل عن بعض الحفاظ تقوية حكيم بن جبير هذا، فقال عنه يحيى بن سعيد القطان لا بأس به، أو نقل عنه تلميذه علي بن المديني أن يحيى بن سعيد القطان لم يرى بأساً في حكيم بن جبير، وسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم أبو زرعة عن هذا الرجل، فقال محله الصدق، لكن الراجح هو تضعيفه، الراجح هو تضعيف حكيم بن جبير، وأنه ضعيف، والدليل على ذلك من ثلاثة أوجه، الدليل الأول: أن الجمهور ذهبوا إلى تضعيفه ويكادون يتفقون على هذا التضعيف، الأمر الثاني: أنه وجدت له أحاديث منكرة تخالف الأحاديث الصحيحة، فعلى قلة روايته وجدت له أحاديث منكرة، ومن هذه الأحاديث المنكرة ما رواه عن أبي صالح السمنان عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أن لكل شيء سنام، وأن سنام القرآن سورة البقرة، وأن سورة البقرة ما ذكرت في بيت إلا وهرب الشيطان من هذا البيت، طبعاً هذا الحديث بهذا اللفظ منكر، والصواب هو ما رواه زهير بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة كما قال الإمام مسلم وأصحاب السنن، أن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة يفر منه الشيطان، هذا هو لفظ الحديث الصحيح، ففي رواية حكيم بن جبير وقعت زيادة على هذا الحديث وهو أن لكل شيء سنام، وأن سنام القرآن سورة البقرة، فأتى بهذه الزيادة المنكرة وخالف زهير بن أبي صالح، وكما ذكرت الحديث عند مسلم وأصحاب السنن، وليس فيه هذا اللفظ، وإنما فيه أن سورة البقرة عندما تقرأ في البيت يفر الشيطان من هذا البيت، وكذلك أيضاً له حديث منكر أخر، فروى عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تنضج للرسول - صلى الله عليه وسلم - في دلو أخضر، بينما الصحيح في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة كما رواه حماد بن أبي سليمان، وكذلك أيضاً أيوب السخثياني، أو غيرهم عن إبراهيم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الالتباس، نعم بعض الرواة روى عن عائشة أم المؤمنين أنهم كانوا ينضجون للرسول - صلى الله عليه وسلم - في سقاء، وليس في دلو أخضر، وكذلك أيضاً ليس من رواية إبراهيم النخعي عن الأسود، فحكيم بن جبير أخطأ في هذا الحديث وهي ذكر الدلو الأخضر، فأخطأ في هذا الحديث من وجهين، كذلك أيضاً كما ذكر أبو عيسى الترمذي أن شعبة أنكر عليه حديث من سأل وله ما يغنيه، أتى يوم القيامة وفي وجهه خموشاً، وعندما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الذي يغنيه، أو ما هو حد الغنى، قال: خمسين درهماً أو ما يعادلها من  الذهب، وهذا كما ذكرت أن شعبة وكذلك أيضاً الدار القطني وابن حبان، وأيضاً النسائي كلهم أنكروا هذا الحديث وضعفوا هذا الحديث، واشترك هذا الحديث من تقول حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه، عن ابن مسعود، فأين أصحاب ابن مسعود, وأين أصحاب محمد بن عبد الرحمن عن هذا الحديث، حتى يتفرد به حكيم بن جبير، على قلة روايته، كذلك أيضاً هذا الحديث من حيث المتن فيه غرابة، فما في شك أن الناس في حد الغنى يختلفون، فمن الناس ما يكفيه خمسين درهم ولا يكفيه أكثر من ذلك، ومن الناس يكفيه، كذلك أيضاً الأحوال تختلف، فهذا وجه الغرابة في هذا المتن، وكما ذكرت أن للإسناد نكارة، وهذه النكاره أتت بقول حكيم بن جبير في هذا الحديث، فأجمع كبار الحفاظ على إنكاره، وهناك أيضاً أحاديث ساقها ابن عدي لحكيم بن جبير، وهي إفرادات وغرائب، فهذه الأحاديث دلت على ضعف حكيم بن جبير هذا، والدليل الثالث: على تضعيف حكيم بن جبير هو أنه قد جرح جرحاً مقصراً، كما في تضعيف عبد الرحمن بن مهدي عندما قال له منكرات، فالخلاصة: أن حكيم بن جبير ضعيف، ولا شك في ضعفه.

عن إبراهيم، إبراهيم هو ابن يزيد ابن قيس ابن الأسود النخغي، أبو عمران الكوفي، وإبراهيم من كبار علماء المسلمين، ومشهور جداً، وهو من صغار التابعين من الطبقة الخامسة، وتوفي في عام 96هـ، والمشهور عن إبراهيم أنه لم يسمع من أحد من الصحابة، وإنما رأى بعض الصحابة، رأى عائشة أم المؤمنين، لكنه لم يثبت سماعه منها، وإبراهيم - رحمه الله -كثير الإرسال، واختلف في مرسلاته على ثلاثة أقوال، بعضهم ذهب إلى تضعيف مرسلات إبراهيم مطلقاً، وبعضهم قواها، كما نقل ذلك عن يحيى بن معين، كما روى ذلك ابن عدي في كتابه الثامن عن يحيى بن معين أنه قال غالب مراسيل إبراهيم جياد، إلا حديث القهقهة، وحديث سالم البحرين، حديث القهقهة أي أن القهقهة تنقض الوضوء، وما في شك طبعاً أن هذا الحديث منكر، وإبراهيم أرسل هذا الحديث، وكان قد أخذ هذا الحديث عن أبي العالية، فيحيى بن معين يقول: أن غالب مراسيل إبراهيم جياد إلا ما كان من هذين الحديثين، وكذلك أيضاً وافقه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في كتابه الصارم المسلول، فقال غالب مراسيل إبراهيم جياد، والقول الثالث: هو قول الحافظ البيهقي، طبعاً القول الأول: هو قول الذهبي، والقول الثاني:  هو قول الحافظ البيهقي أنه فرق بين مراسيل إبراهيم، فما أرسله عن ابن مسعود يقبل، وما أرسله عن غيره فلا يقبل، ووجه ما ذهب إليه البيهقي أن إبراهيم - رحمه الله -قال: إذا قلت قال ابن مسعود فهو عن الجماعة عن ابن مسعود، وإذا قلت حدثني فلان فهو الذي حدثني، وأما إذا قلت قال ابن مسعود فهو عن جماعة عن ابن مسعود، وكما ذكرنا سابقاً أن الغالب على أصحاب ابن مسعود أنهم ثقات، كما نص على ذلك شيخ الإسلام بن تيمية، وقال غالب أصحاب ابن مسعود ثقات، وذكرنا سابقاً أن رواية أبي عبيدة عن أبيه أنها مستقيمة، مع أن الراجح أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ومع ذلك أنها مستقيمة بسبب ثقة وعدالة أصحاب عبد الله بن مسعود، وطبعاً هذا من حيث الغالب، وإلا وجد فيهم من هو ضعيف ومتكلم فيه وهو شخص واحد، وهو الحارث بن عبد الله الأعور، لكن هذا ليس له رواية عن ابن مسعود إلا أحاديث قليلة جداً، والراجح من هذه الأقوال هو: قول الحافظ البيهقي، وما في شك أن قول يحيى بن معين, والذي وافقه عليه شيخ الإسلام، أيضاً قول قوي، فالخلاصة أن: مراسيل إبراهيم قوية، وأنه يعتبر بها، وذكرنا سابقاً قاعدة في المراسيل، وقلنا أن أقوال أهل العلم في المراسيل تنقسم إلى أربعة أقوال: منهم من ذهب إلى الاحتجاج بها مطلقاً، ومنهم من لم يذهب إلى الاحتجاج بها مطلقاً، وهذا هو المشهور عند أهل الحديث، ومنهم من فصل بين مراسيل سعيد بن المسيب وغيره، وهذا هو المشروع عند الإمام الشافعي، والقول الرابع: هو أرجح الأقوال أن جميع المراسيل لا يحتج بها؛ إلا إذا لم يوجد في الباب غيرها، نستأنس بها ونعلم بها، وهذا كما هو المشروع عند أهل الحديث، أحب إلينا من الاجتهاد, وأحب إلينا من الرأي، لكن ما في شك أن مراسيل كبار التابعين كإبراهيم وهو من صغار التابعين، لكن كما ذكرنا مراسيله قويه، وكذلك أيضاً عمر بن الزبير، وسعيد بن المسيب، والشعبي وغيرهم في الغالب في هذه المراسيل القوة.

عن الأسود، هو ابن يزيد ابن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، وهو ثقة فقيه من كبار التابعين، المخضرم، توفي عام 74هـ، أو 75هـ، وهو من مكاثير أصحاب عبد الله بن مسعود، وهو يكاد يكون من أكثرهم، بالإضافة إلى متروك بن غزة الهمداني، عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها- قالت: { ما رأيت أحداً كان أشد تعذيباً للكفر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من أبو بكر ولا من عمر} وقبل أن نتكلم على صحة هذا الحديث، نذكر من خرج هذا الحديث.

الأقوال فيه أربعة أقوال: القول الأول: من ذهب إلى الاحتجاج بها مطلقاً، وهذا هو المشهور عند الحنفية والمالكية، والقول الثاني:  من لم يحتج بها مطلقاً وهذا هو مذهب أهل الحديث، والقول الثالث: أنه يفرق بين بعض المراسيل والبعض الآخر، فيعتد بمراسيل سعيد، وهذا هو المشهور عن الإمام الشافعي دون غيره، والقول الرابع: أنه لا يرجع إلى المراسيل وأنها كلها ضعيفة، إلا إذا لم يوجد في الباب إلا بعض المراسيل القوية؛ يعني التي نص أهل العلم على قوتها، فهذه المراسيل يعمل بها، وتكون أحب إلينا من الاجتهاد ومن الرأي .

البيهقي يقول أن مراسيل إبراهيم عن ابن مسعود قوية، يحتج بها، ووجه قول البيهقي هو ما ورد عن إبراهيم، فيقول إذا قلت عن ابن مسعود فهم الجماعة عن ابن مسعود، وإذا سميت فهو من سميت، يقول حدثني الأسود، فهو الأسود عن ابن مسعود.

هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، وكذلك الطحاوي في شرح معاني الآسار، والبيهقي وابن عدْي في كتابه الثامن، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، وابن أبي المنذر في كتابه الأوسط، من طرق عن سفيان الثوري عن حكيم بن جبير، وهناك إسناد أخر لهذا الحديث، وهو ما جاء في رواية البيهقي، البيهقي روى هذا الحديث في إسنادين، الإسناد الذي ذكرناه عن طريق سفيان الثوري، وروى هذا الحديث أيضاً من طريق محمد بن الفضل بن جابر، عن أبي عبد الرحمن الأجرمي، قال حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم عن الأسود، فبدل حكيم بن جبير منصور، ففي رواية إسحاق الأزرق أن منصور تابع حكيم بن جبير، لكن طبعاً هذه الرواية منكرة، وليست بصحيحة، وإنما الصحيح عن سفيان الثوري كما رواه ابن المبارك وعبد الرزاق، وكذلك أيضاً أبو حذيفة موسى بن مسعود، وكذلك أيضاً محمد بن إسماعيل، كل هؤلاء رووا عن سفيان الثوري عن حكيم بن جبير، وإسحاق الأزرق روى عن سفيان عن منصور، وفي الحقيقة أن إسحاق الأزرق اختلف في روايته، روى عنه الإمام أحمد عن حكيم عن سفيان بن جبير، وروى عنه أبو عبد الرحمن الأجرمي قال عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن منصور، فأبو عبد الرحمن الأجرمي خالف الحفاظ والثقات من أصحاب سفيان الثوري، خالف الإمام أحمد الذي روى هذا الحديث عن إسحاق الأزرق، على الرواية الصحيحة المستقيمة التي وافقت رواية أصحاب سفيان الثوري، فهذه الرواية معلولة من وجهين: الوجه الأول: أن إسحاق الأزرق اختلف عليه، فروى أبو عبد الرحمن الأجرمي عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن منصور، وروى الإمام أحمد عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن حكيم بن جبير، وما في شك أن الإمام أحمد مقدم على أبي عبد الرحمن الأجرمي، والوجه الثاني: أن الحفاظ من أصحاب سفيان الثوري كابن المبارك, ووكيع, وعبد الرزاق, ومن ذكرنا، كلهم رووا عن سفيان الثوري عن حكيم بن جبير، فما في شك أن هذه الرواية منكرة وباطلة، وما ذهب إليه الشيخ ابن بشار - رحمه الله -ليس بصحيح وليس بصواب، ما في شك أن الرواية التي وقع فيها منصور بدل حكيم أنها رواية منكرة، بل هي باطلة، فلذلك نقل البيهقي عن الإمام أحمد أنه قطع هذه الرواية وكذلك أيضاً أخرجه الحافظ البيهقي؛ أما ما يتعلق بصحة هذا الحديث، فهذا الحديث أيضاً شبه اتفاق بين أهل الحديث على تضعيف هذا الحديث، ممن ضعف هذا الحديث أبو عيسى الترمذي صاحب هذا الكتاب، وقال هذا حديث حسن، وتقدم لنا سابقاً أن الحديث الحسن عند الترمذي إما أن يكون ضعيفاً وإما أن يكون معلولاً، وقصارى أمره أن يكون في نفس الترمذي شيء من ثبوت هذا الحديث، ففي الغالب أن الترمذي يستعمل هذا المصطلح للحديث الضعيف أو المعلول، كذلك أيضاً ممن ضعف هذا الحديث أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه التعليق، كذلك أيضاً ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي، كذلك أيضاً ابن العربي في كتابه العارضة، نقل أن حكيم بن جبير قد تكلم فيه، كذلك أيضاً الإمام البخاري كما نقل ذلك أبو عيسى الترمذي في كتابه العلل الكبير، فسأل أبو عيسى الترمذي الإمام البخاري عن هذا الحديث، فقال: سألت محمداً عن حديث حكيم بن جبير، فقال يروى هذا الحديث عن حكيم عن سعيد بن جبير عن عائشة، وهو حديث فيه اضطراب، فإذا ً هذا الحديث معلول بعلتين العلة الأولى: هي ضعف حكيم بن جبير، والعلة الثانية: هي اضطراب حكيم بن جبير، كما ذكر ذلك البخاري، فقال أن حكيم قد روى هذا الحديث هذا أيضاً، فالخلاصة: أن هذا الحديث ضعيف, وليس بصحيح، وكذلك أيضاً ما ذهب إليه الشيخ بشار من تصريح هذا الحديث، وهو أيضاً ليس بصحيح، هذا ما يتعلق بالكلام على صحة هذا الحديث، أما ما يتعلق بالكلام على فقه هذا الحديث فأهل العلم اتفقوا على أن وقت صلاة الظهر يبدأ من زوال الشمس، ونقل اتفاقهم على هذا القول أبو بكر بن المنذر في كتابه الأوسط، نقل اتفاق العلماء على أنهم متفقين على أن وقت الظهر يبدأ من حين زوال الشمس، وطبعاً وقت الزوال كما ذكر أهل العلم أنه إذا أراد الشخص أن يعرف إذا الشمس زالت أو لا ينصب شيئاً مستقيماً قبل الظهيرة بفترة طويلة ثم ينظر إلى الظل، فيجد أن الظل يتقلص شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى النقطة فيتوقف عندها، ثم يبدأ بالزيادة، فإذا بدأ في الزيادة تكون الشمس قد زالت، فهذه هي علامة زوال الشمس، الأمر الثالث الذي يتعلق بهذا الحديث ذكرنا سابقاً أن للظهر حالتان: الحالة الأولى: أنه عندما لا يكون الجو حار فالسنة في الظهر هو التعجيل، ولذلك تواترت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي حديث جابر بن عبد الله الذي رواه البخاري أن الرسول - عليه الصلاة والسلام- كان يصلي إذا زالت الشمس، كذلك أيضاً في حديث أبي بردة أنه كان يصلي إذا زالت الشمس، كذلك أيضاً في أحاديث أخرى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس، هذا إذا لم يكن الجو حاراً، أما إذا كان الجو حار فالسنة في الظهر أنها تؤخر، كما سيأتينا، وتواترت الأحاديث أيضاً عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {ابردوا في الصلاة، فإذا اشتد الحر فابردوا في الصلاة، فإن شدة الحر من طيف جهنم} فإذاً للظهر حالتان: الحالة الأولى: عندما لا يكون الجو حاراً فالسنة هو تعجيلها في أول وقتها، وعندما لا يكون الجو حار فالسنة هو تأخيرها إلى آخر وقتها، إلى أن يبرد الجو قليلاً، وبهذا القول قال جمهور العلماء كالإمام الشافعي والإمام أحمد وكذلك أيضاً غيرهم من أهل الحديث كابن خزيمة وابن حبان، وابن محمد بن حزم، وغيرهم من أهل العلم، فكلهم ذهبوا إلى هذا التفصيل؛ الأمر الرابع الذي يتعلق بهذا الحديث هو أن: أهل العلم بعد أن اتفقوا على أن وقت الظهر من حين زوال الشمس، اختلفوا فيما بينهم، متى ينتهي وقت الظهر، فذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد ذهبوا إلى أن وقت الظهر ينتهي إلى أن يكون ظل الشيء كمثله، يعني من حين زوال الشمس إلى أن يكون ظل الشيء مثله، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه في صحيحه أن وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصبح ظل الشيء مثله، مالم يدخل وقت صلاة العصر، وأن نهاية وقت الظهر إلى أن يصبح ظل الشيء كمثله، وبهذا القول قال أبو حنيفة النعمان، وبهذا القول لا يعلم له دليلاً صحيحاً، لا يوجد دليل صحيح فيه على أن وقت الظهر يمتد إلى أن يصبح ظل الشيء مثليه، وإنما هذا القول منقول عن بعض السلف، فلعل أبا حنيفة - رحمه الله -لم تصل له هذه الأحاديث، فلذلك قال الإمام مسلم عن بعض السلف: أن وقت الظهر يمتد إلى أن يصبح ظل الشيء كمثليه، القول الثالث في هذه المسألة أن وقت الظهر لا ينتهي حتى تصفر الشمس، وهذا قول عطاء بن أبي رباح، ويستدل قول عطاء بن أبي رباح أن بعض أهل العلم يذهب إلى أن الظهر والعصر يشتركان، إذاً كأن لهما وقت واحد، فاستدل بهذا التعليل لما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح، وكذلك أيضاً وافقه طاغوث بن كيسان اليماني، والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول: أن وقت الظهر إلى أن يصبح ظل الشيء كمثله، كما ثبت في ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وشيخ الإسلام بن تيمية يقول: أن أحسن الأحاديث التي جاءت في المواقيت هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه حديث قولي بخلاف أكثر الأحاديث فهي أحاديث فعلية، كما في حديث أبي موسى الأشعري أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر عندما زالت الشمس ثم ذكر بقية المواقيت، كذلك أيضاً في حديث ابن عباس وغيرهم، فأغلب الأحاديث التي جاءت أحاديث فعلية، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث قوي، وما في شك أن القول أقوى وهو مقدم على الفعل، فلذلك شيخ الإسلام بن تيمية قال: أن أحسن الأحاديث التي جاءت في المواقيت هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي هذا الحديث إلى أن يبلغ ظل الشيء مثله وهذا هو الراجح من هذه الأقوال؛ ثم قال أبو عيسى: وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم، طبعاً اختاروا تعجيل الظهر في أول وقتها، وهذا مالم يشتد الحر، كما ذكرنا سابقاً، وكما سوف يأتينا.

قال علي بن المديني قال يحيى بن سعيد وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل حديثه الذي روى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: { من سأل الناس وله ما يغنيه} هذا الحديث كما ذكرت رواه أصحاب السنن, والإمام أحمد, والدار قطني, وكذلك أيضاً ابن حبان في كتابه المجروحين، وابن عدْي، وهذا الحديث كما ذكرت حديث ضعيف، ضعفه الدار قطني, وابن حبان، والنسائي كلهم ذهبوا إلى تضعيف هذا الحديث، ثم قال: قال يحيى وروى له سفيان وزائدة، ولم يرى يحيى في حديثه بأساً، ذكرنا فيما سبق أن الأدلة دلت على تضعيف حكيم بن جبير، قال محمد؛ أي البخاري، وقد روي عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل الظهر، طبعاً البخاري كما ذكرنا سابقاً يشير إلى الاختلاف الذي وقع على حكيم بن جبير، ثم قال أبو عيسى حدثنا الحسن بن علي الحلواني، هو ابن محمد الحللي أبو علي الحلواني، وهو ثقة حافظ من الطبقة الحادية عشرة، وتوفي عام 242هـ قال: أخبرنا عبد الرزاق هوهمام بن نافع الحميري مولاه، أبو بكر الصنعاني، وعبد الرزاق من الطبقة التاسعة، وتوفي عام 211هـ، عن خمسة وثمانين سنة، وقد أخذ له الجماعة، وما في شك أن عبد الرزاق من الثقات الحفاظ، لكن كما ذكرنا سابقاً أن حديثه ينقسم إلى عدة أقسام، وأن أصح الأقسام حديث عبد الرزاق إذا كان شيخه معمر، وكان الرواي عنه ممن سمع منه قريباً، فهذا يكون أصح أحاديث عبد الرزاق، جعل هذا القسم أصح أحاديث عبد الرزاق، أن عبد الرزاق موصوف بأنه أثبت الناس في معمر بن راشد البصري، أما ما يتعلق بالرواي عنه قديماً، بأن عبد الرزاق - رحمه الله -أصابه العمى في نهاية حياته، وأخذ يلقن وفي بعض المرات يقبل التلقين، فهذا التلقين الذي كان يقبله أوقع في حديثه بعض الأخطاء والأوهام، ولذلك تكلم فيه بعض أهل العلم، فالقسم الأول: إذا كان شيخه معمر وكان الراوي عنه ممن روى عنه قديماً، كيحيى بن معين والإمام أحمد، وإسحاق بن راهوية، والقسم الثاني: من أقسام أحاديث عبد الرزاق أن لا يكون شيخه معمر بن راشد، ويكون الراوي عنه ممن سمع عنه قديماً، والقسم الثالث: أن يكون الراوي عنه ممن سمع من عبد الرزاق بعدما أصيب بالعمى، والقسم الرابع: إذا كان الراوي عنه ضعيفاً، يكون الحديث ضعيف؛ من أجل هذا الراوي الضعيف، وكذلك أيضاً من أجل أن هذا الراوي قد روى عنه بعدما أصيب عبد الرزاق بالعمى، وأيضاً قد يكون هذا الشخص لقن عبد الرزاق، ولذلك يكون إذا كان الراوي عنه ممن روى عنه بعدما أصيب بالعمى، وكان ضعيفاً، يكون هذا الحديث الذي رواه معلول بعدة علل، فهذه أقسام حديث عبد الرزاق, وقد ينقسم إلى أكثر من هذه الأقسام، لكن هذه هي أصول هذه الأقسام.

قال أخبرنا معمر، هو ابن راشد البصري أبو عروة نسيب اليمن، وهو من الطبقة السابعة، وتوفي عام 154هـ، وذكرنا فيما سبق أو في الأمس أقسام حديث معمر، وقلنا إذا كان شيخ معمر الزهري, أو قتادة, أو عبد الله بن فاروق وكان الرواي عن معمر أحد اليمنيين، عبد الرزاق أو هشام بن يوسف الصنعاني، فهذا هو القسم الأول من أقسام حديث معمر؛ لأن معمر موصوف بأنه من أثبت الناس في الزهري، وكذلك أيضاً هو مثبت في عبد الله بن فاروق، وأيضاً في قتادة، وإذا كان الراوي عنه يمنياً كما ذكرت؛ لأن عبد الرزاق عندما كان في اليمن كان يحدث من كتابه، فلذلك أصبح حديثه في اليمن مستقيم وفي الدرجة العليا من الصحة، والقسم الثاني: من أقسام حديث عبد الرزاق أن لا يكون شيوخه أحد هؤلاء الثلاثة الذين ذكرناهم، ويكون الراوي عنه أحد اليمنيين، والقسم الثالث: من أقسام حديث معمر هو ما حدث به في البصرة؛ لأنه - رحمه الله -عندما كان في البصرة أخذ يحدث من حفظه، لأن كتبه لم تكن موجودة عنده، ولذلك وقع في بعض الأخطاء والأوهام، كما نص على ذلك يحيى بن معين, وأبو حاتم الرازي، والقسم الرابع: إذا روى معمر عن شيوخ قد تكلم في رواية معمر عنهم وهم أربعة: هشام بن عروة، وثابت البناني، والأعمش، وعاصم بن أبي النجود، والقسم الخامس: من أقسام حديث معمر إذا كان شيوخه أحد هؤلاء الأربعة، وكان الراوي عنه أحد العراقيين، وطبعاً القسم الأول, والثاني هم في الدرجة العليا من الصحة، وباقي الأقسام الأصل فيها الصحة، وإن كان وصف ببعض الأخطاء والأوهام، لكن هذه الأخطاء يسيره، فالغالب على هذه الأحاديث الاستقامة، فنحن على إقامة حديثه حتى يتبين بالدليل على أنه قد أخطأ.

عن الزهري، هو محمد بن مسلم الزهاق الزهري القرشي أبو بكر، وهو من كبار الأئمة ومن كبار الحفاظ، وتوفي في عام 124هـ، وقيل 125هـ، وقيل عام 123هـ، وهو من صغار التابعين من الطبقة الرابعة، قال: أخبرني أنس بن مالك {أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر حين زالت الشمس}، طبعاً هذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما، لكن أخرجوه مطولاً، فرواية الترمذي مختصرة، أما عند البخاري ومسلم فهو مطول، وكذلك أيضاً أخرجه النسائي والإمام أحمد، وابن حبان، وهو أيضاً في المصنف لعبد الرزاق، وأخرجه أيضاً الجابري, والطحاوي في شرح معاني الآسار، وكذلك عبد بن حميد، طبعاً وكل هؤلاء رووه من طريق الزهري إلا ما كان من رواية عبد بن حميد، فعبد بن حميد رواه عن جعفر بن عون، عن مسلم الولائي عن أنس، وإسناد حديث عبد بن حميد ضعيف من أجل مسلم الولائي، وطبعاً إسناد أبو عيسى الترمذي إسناد صحيح بل من أصح الأسانيد لأن جميع رواته ثقات واثبات ومشاهير، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، هذا حديث صحيح، وطبعاً كما ذكرنا الشيخان قد اتفقوا على صحة هذا الحديث، ثم قالوا هو أحسن حديث في هذا الباب، وفي الباب عن جابر، حديث جابر أخرجه البخاري، وبعض أصحاب السنن كأبي داوود، وفقه هذا الحديث تقدم في الكلام على الحديث الذي قبله.

قال أبو عيسى حدثنا قتيبة، هو ابن سعيد ابن جميل ابن طريف أبو رجاء الثقفي وهو ثقة ثبت مكثر من الحديث وتوفي عام 240هـ، وقد أخرج له الجماعة.

قال حدثنا الليث، هو ابن سعد بن عبد الرحمن السهمي المصري أبو الحارث، والليث أيضاً من كبار الحفاظ ومن كبار الفقهاء في عصره، وتوفي الليث في عام 175هـ، هو من الطبقة السابعة وقد أخرج له الجماعة.

عن ابن شهاب، هو الزهري، عن سعيد المسيب، هو ابن حسن القرشي المخزومي أبو محمد المدني، وسعيد طبعاً غني عن التعريف وهو من الطبقة الثانية، من كبار التابعين، وتوفي بعد 90هـ، رحمه الله، وتقدم الكلام على مراسيل سعيد بن المسيب، وأبو سلمه هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، وأبو سلمه ثقة ثبت فقيه، وكان من كبار الفقهاء في عصره، من الطبقة الثالثة، وتوفي عام 94هـ، وقيل غير ذلك، وقد أخرج له الجماعة، واختلف في اسمه، فقيل إسماعيل وقيل عبد الله، والمشهور أن اسمه كنيته.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ إذا اشتد الحر فابردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من طيف جهنم} هذا الحديث أخرجه الشيخان, وأصحاب السنن، والإمام أحمد, وكذلك أيضاً ابن خزيمة, وابن حبان، والطحاوي في شرح معاني الآسار، وابن المنذر في كتابه الأوسط، وغيرهم، وطبعاً ما في شك أن إسناد الترمذي هذا إسناد صحيح، فهذا الإسناد مسلسل بالحفاظ الثقات الأثبات، فهذا الحديث يعتبر من أصح الأسانيد على وجه الأرض، وهذا المتن يعتبر متن متواتر، ورواه جماعة من الصحابة، فرواه أبو سعيد وروايته عند البخاري، وكذلك أيضاً أبو ذر وروايته عند البخاري كما سوف يأتيناً، وكذلك ابن عمر وروايته أيضاً عند البخاري، فهذا المتن يعتبر متن متواتر، وذكرنا سابقاً الشروط التي ذكرت في الحديث حتى يكون متواتراً، وقلنا هذه الشروط هي عبارة عن أربعة شروط يجب أن تتوفر في الحديث حتى يكون متواتراً: الشرط الأول: هو أن يرويه جماعة من الناس وهؤلاء الجماعة اختلف في حد هؤلاء الجماعة والراجح هو أن يكون هؤلاء أربعة فما أكثر؛ لأن الثلاثة يطلق عليه المشهور فأربعة فوق المشهور، ويدخل في المتواتر، والمتواتر هو الذي يفيد العلم اليقيني، وعندما يروي أربعة من الثقات الحديث فلا شك أن هذا يفيد العلم اليقيني؛ لأنه لا يمكن أن يتفق أربعة من الناس وكلهم ثقات على الكذب وعلى الخطأ، هذا لا يمكن والعقول تنفي هذا الشيء وتستبعد هذا الشيء، فما في شك أنه عندما يتفق أربعة فإن هذا يفيد العلم القطعي والعلم اليقيني، ويفيد صحة هذا الخبر بلا شك ولا بلا تردد، أن يرويه أربعة عن مثلهم وهذا هو الشرط الثاني، والشرط الثالث: أن يستحيل في العادة تواطئهم على الكذب؛ ومعنى هذا الشرط أن يكونوا من الثقات؛ لأن الكذابين قد يتفق منهم جماعة، عشرين أو ثلاثين أو أربعين على الكذب، أما جماعة من الثقات لا يمكن أن يتفقوا على الكذب، أما الشرط الرابع: أن يكون منتهى خبرهم الحس والمشاهدة والسماع، والمقصود بهذا إخراج الأحكام التي تجرف بالعقل، فهذه خارجة عن باب الأخبار، وخارجة عن التواتر، فهذا الشروط لا بد من توافرها في خبر ما حتى يكون هذا الخبر متواتر، وبالنسبة للشرط الأول نص شيخ الإسلام ابن تيميه وكذلك الحافظ ابن حجر على أنه في الحقيقة لا يشترط عدد معين، وإنما المشترط ما أفاد إخبار هؤلاء العلم القطعي، وعندما قلنا حددنا هذا الأمر بأربعة، هذا لا ينافي ما ذهب إليه شيخ الإسلام، والحافظ بن حجر، أن المقصود هو ما أفاد العلم القطعي، وأقل ما يفيد العلم القطعي أربعة، طبعاً وقد يفيد العلم القطعي أقل من أربعة، ثلاثة أو اثنين، لكن الأمة متفقة على أن هذا لا يسمى متواتر، هو اختلفوا هل خبر الآحاد الصحيح يفيد العلم أم لا؟ طبعاً هذه مسألة أخرى، لكن في مسألة المتواتر هم متفقين، أو لا أعلم أن بينهم خلاف أن الثلاثة لا يسمى متواتراً.

في الماضي أن الظهر في شدة الحر أن المستحب فيها والمشروع فيها أنها تؤخر حتى يبرد الجو قليلاً والدليل على ذلك ما جاء في الأحاديث المتواترة من الأمر بالإبراد بالصلاة، وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، وبعضهم أطال في هذه المسألة وقال السنة في الظهر أنها دائماً تؤدى في أول وقتها، وحكى الحافظ ابن حجر هذا القول لكن لم ينسبه إلى أحد، لكن ما في شك أن الصحيح هو القول الأول: بأن الأحاديث فرقت بين شدة الحر وبين عدم شدة الحر، كذلك أيضاً اختلفوا في هذا الأمر هل هو على الوجوب أم على الاستحباب، وذهب جمهور أهل العلم محمول على الاستحباب وحكى القاضي عياض عن بعض أهل العلم أنهم ذهبوا إلى أن هذا الأمر يفيد الوجوب؛ لأنه ليس هناك خارق يخرق هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، أستدل ما ذهب إليه الجمهور بما رواه البخاري من حديث خباب بن الأرت، أنه قال: {شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شدة الحر ليفتنا، فلم يفتنا}, فاستدل بهذا الحديث على أن هذا الأمر الذي جاء في حديث أبي هريرة هو معناه أنه: محمول على الاستحباب، لكن عند التحقيق هذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن هذا الحديث كما سوف يأتينا أنهم طلبوا زيادة التأخير، وهذه الزيادة قد تخرج وقت صلاة الظهر عن وقتها، ولذلك الرسول - عليه الصلاة والسلام- لم يستند إلى شكواهم، وعند التحقيق لا نعلم أن هناك خارقاً يخرق هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، نحن لا نقول أن هذا واجب، لكن بحثنا عن خارق فلم نجد، ما وجدنا خارق يخرق هذا الأمر في وجوب الاستحباب، نحن لا نقول بالوجوب، وإنما نقول لم نجد خارق يخرق هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، طبعاً خارق صحيح صريح يدل على أن هذا الأمر محمول على الاستحباب كذلك أيضاً فيما يتعلق في هذا الحديث هل هذا الحديث خاص بالجماعة, أم يشمل الجماعة والأفراد، فالمذكور عند الشافعية, والمالكية أن هذا خاص بالجماعة، وإلى هذا القول ذهب ابن حزم، وذهب الإمام أحمد, وإسحاق إلى أن هذا الأمر يشمل الجماعة والفرادى، وكذلك أيضاً اختلف فيما يتعلق في هذا الحديث، هل هذا الأمر في حق من يأتي إلى المسجد من بعيد أم لا؟ فذهب الإمام الشافعي إلى القول الأول: أن هذا في حق من يأتي من بعيد إلى المسجد، وطبعاً ورد عن الإمام الشافعي - رحمه الله -أنه قال الذي قريب من المسجد لا يتأثر بشدة الحر، فالناس إذا كانوا كلهم قريبين من المسجد، لا يشرع التأخير؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى التأخير، الحكمة من تأخير الصلاة هو من أجل أن يبرد الكل، فعندما يشتد الحر، طبعاً شدة هذا الحر فيه أذى على المصلين، ولذلك النبي - عليه الصلاة والسلام- أمر بأن تؤخر الصلاة، طبعاً الأرجح هو ما ذهب إليه الإمام أحمد وإسحاق، هو أنه يشمل حتى القريبين؛ لأن الحرارة موجودة في المسجد وحتى في خارج المسجد، وكما ذكرنا وكما في الحديث أن الحكمة من التأخير هي شدة الحر، فشدة الحر موجودة في داخل المسجد، وكذلك أيضاً في خارج المسجد، طبعاً إذا كان هناك أشياء تزيل الحر كما هو الآن، فالآن هناك الآلات تزيل الحر، فهذه العلة منتفية وهي شدة الحر، إذاً لا يسن تأخير الصلاة عن وقتها؛ لأن هناك أشياء تلطف الجو وتزيل الحرارة، والإنسان لا يشعر بالحرارة، فإذاً ليس هناك حاجة عن تأخير الصلاة عن وقتها، فالحكمة من تأخير الصلاة هو شدة الحر، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالإبراد في وقت شدة الحر، فإذا كان هناك ما يزيل شدة الحر، إذاً ليس هناك حاجة لتأخير الصلاة عن وقتها، هذا ما يتعلق بهذا الحديث، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

هذا الشخص يسأل ويقول: ما صحة حديث لكل شيء عمود وعمود القرآن سورة الرحمن؟ هذا الحديث باطل وليس بصحيح، وذكره الثعالبي، وهذا الحديث باطل,وليس بصحيح.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، هو العدوي مولاه أبو أحمد المغربي، ومحمود بن غيلان, متفق على توثقيه، وثقه النسائي، أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه الإمام أحمد ما زلت أعرفه بالحديث، صاحب سنة، فمحمود بن غيلان ثقة بالاتفاق وهو من رجال الكتب الستة، إلا أبو داوود فإنه لم يخرج لمحمود بن غيلان، روى له الجماعة إلا أبو داوود فإنه لم يخرج لمحمود بن غيلان.

قال حدثنا أبو داوود الطيالسي، هو سليمان بن داوود بن الجارود، أبو داوود الطيالسي، وهو من الطبقة التاسعة وتوفي عام 204هـ، وأبو داوود غني عن التعريف وهو من كبار الحفاظ - رحمه الله -تعالى، وله مسند معروف، وإن كان هذا المسند من جمع أحد تلاميذه وهو يونس بن عبيد، وأبو داوود الطيالسي تقدم الكلام عليه مفصلاً في بداية درسنا للترمذي فيما سبق، وطبعاً هو ما في شك أنه من كبار الحفاظ، لكنه - رحمه الله -عنده بعض الأخطاء والأوهام، فهذا جعل بعض النقاد يتكلم فيه، فهو ثقة حافظ، ليس ثقة ثبت، وإنما ثقة حافظ، وبينا وجه الاختلاف بين الثقة الثبت والثقة الحافظ، طبعاً كثير ما يطلق الثقة الحافظ ثقة ثبت، لكن الثقة الثبت لا يساوي الثقة الحافظ؛ لأن التثبت قد لا يعني الحفظ، تجد أن بعض الرواة لهم خمسين حديث أو أربعين حديث ومع ذلك يطلق عليه بأنه من الثقات الأثبات، وعندما يطلق الحفظ هذا يلزم من هذا أن يكون هذا الشخص مكثر من الراوية، بخلاف عندما يطلق التثبت فهذا لا يلزم أن يكون الشخص مكثر من الرواية، فأبو داوود مكثر من الرواية جداً وهو من الحفاظ، لكن كما ذكرت له بعض الأخطاء والأوهام، وهذه الأخطاء والأوهام أتت من اعتماده على حفظه، فكان بعض المرات يكتتل على حفظه، وما في شك أن الحفظ يخون صاحبه، ولذلك وقعت الأخطاء من أبي داوود.

قال أنبأنا شعبة، هو ابن الحجاج ابن الورد العسكي أبو بستان الواسطي، وشعبة من كبار الحفاظ وغني عن التعريف وتوفي عام 160هـ، وذكرنا فيما سبق أن شعبة فيما يتعلق بجرحه للرجال أنه يميل إلى التشدد بخلاف, زميله سفيان الثوري فإنه يميل إلى التساهل، وكذلك ذكرنا أن من مميزات شعبة في الرواية أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده، نعم في بعض المرات قد يروي عن أناس ضعفاء كما روى عن جابر الزعطي وكذلك موسى بن عبيدة العزقي وغيرهم، فروى عن بعض الضعفاء، لكن الغالب عليه الرواية عن الثقات، كذلك والميزة الثانية له أنه لا يحمل إلا عن شيوخه إلا ما قرأوا فيه بالتحديث، وقوله المشهور عندما قال:لا يمكن تدليس ثلاثة، وذكر منهم الأعمش وأبو قتادة وأبو إسحاق التبيعي. عن مهاجر أبو الحسن، هو السيلي مولاهم، الصائغ الكوفي، ومهاجر هذا يكاد الحفاظ يتفقون على توثيقه فنص الإمام أحمد وابن معين والنسائي والعجلي ويعقوب بن سفيان كلهم على توثيقه، وأما أبو حاتم الرازي - رحمه الله -قال لا بأس به، وذكرنا سابقاً أن أبا حاتم - رحمه الله -الغالب عليه التشدد، فقوله لا يعارض من ذهب إلى توثيقه، فما في شك أن مهاجر أبي الحسن أنه ثقة، كما ذهب إلى ذلك جمهور الحفاظ، كما أحتج به الشيخان وغيرهم، عن زيد بن وهب، هو الجهني أبو سليمان الكوفي، وزيد من كبار التابعين، أتى إلى المدينة مهاجراً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يدركه بل وجد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد توفي، فزيد من كبار التابعين، فزيد الظاهر ثقة، كما ذهب إلى ذلك جمهور الحفاظ، فنص أبو معين وكذلك العجلي والبيهقي وابن فراش على توثيقه، وكذلك أيضاً ابن حبان ذكره في الثقات، وأخرج له الشيخان، واحتج به وكذلك أيضاً صحح له ابن خزيمة والترمذي صاحب هذا الكتاب، وغيرهم، ما في شك أن الراجح فيه أنه ثقة، لكن تكلم فيه يعقوب بن سفيان صاحب التاريخ المعروف، تكلم فيه وقال في حديثه خلل كثير، ثم ساق له أربعة أحاديث وأنكر جميع هذه الأحاديث الأربعة على زيد بن وهب، وأول هذه الأحاديث ما جاء عن عمر - رضي الله عنه- أنه كان حذيفة بن اليمان، هل ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المنافقين أم لا، هذا هو الحديث الأول الذي ساقه يعقوب بن سفيان على زيد بن وهب، وهو أن عمر سأل حذيفة بن اليمان، هل ذكرني الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضمن المنافقين أم لا؟ فقال يعقوب بن سفيان بعد أن روى هذا من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب، قال هذا محال، وأخاف أن أكون كذباً، وكيف يكون هذا وهو ممن رضي الله عنهم، وهو من أهل بدر، وممن يقول له النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان بعدي نبي لكان عمر، وقد يكون في الأمم محدثون، وإن يكن أحد في أمتي فهو عمر، مع ما لا يقصر من هذا الظرف فكيف يسأل حذيفة عن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكره ضمن المنافقين، فهذا الحديث الأول الذي استنكره يعقوب بن سفيان، والجواب عن هذا الذي استنكره يعقوب بن سفيان، نقول هذا الحديث أو هذا الأثر ثابت عن زيد بن وهب، فرواه يعقوب بن سفيان عن ابن نمير، وابن نمير ثقة حافظ وابن نمير رواه عن أبي معاوية، وهو ثقة وبالذات في الأعمش، وأبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب، ثانياً أن هذا المعنى قد جاء عن غير زيد بن وهب؛ يعني هذا المعنى قد جاء عن عمر لأنه قد خشي النفاق على نفسه، فأخرج سفيان في كتاب صفة المنافق، بإسناد جيد عن الجعد أبي عثمان، قال: قلت لأبي رجاء العطاردي، هل أدركت ممن أدركته من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول النفاق، وكان قد أدرك عمر، قال: نعم أدركت منهم بحمد الله صدراً حسناً، ثم قال: نعم شديداً شديداً، وكان الصحابة يخشون النفاق على أنفسهم وممن أدركه من الصحابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذلك أيضاً روى بإسناد لا بأس به أن أبان سأل الحسن البصري، قال: وما يؤمنني وقد خاف منه عمر بن الخطاب، كذلك أيضاً ساق يعقوب بن سفيان بإسناد جيد عن معاوية قال: أن لا يكون في نفاق أحب إلي من الدنيا وما فيها، وكان عمر يخشاه على نفسه، فهذه الأسانيد تفيد أن عمر كان يخشى النفاق على نفسه، وأن زيد بن وهب لم يتفرد بهذا، بل أيضاً جاء عن غير زيد بن وهب، إذاً زيد بن وهب لا يستنكر عليه هذا الشيء، كذلك أيضاً هذا جاء عن كثير من الصحابة، فثبت عن جبير, وهو من كبار التابعين أنه سمع أبا الدرادء وهو في أخر صلاته يقول وقد فرغ من التشهد، يتعوذ بالله من النفاق، فأكثر من التعوذ، فقال جبير: مالك يا أبا الدرداء أنت والنفاق، فقال: دعني عنك فوالله إن الرجل ليتقلب عن دينه في الساعة الواحدة، ويخلع منه؛ وكذلك أيضاً الشاطبي بإسناد جيد أن الحسن البصري كان يقول: إن القوم لما رأوا هذا النفاق يرون الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق، وكذلك أيضاً ثبت عن الحسن أنه قال: يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق. إذاً ما في شك المؤمن يخشى ويخاف من النفاق على نفسه، فعمر - رضي الله عنه- من ضمن المؤمنين وما في شك أنه على رأس المؤمنين، أيضاً ذلك يقال أنه سأل حذيفة - رضي الله عنه- من باب الاطمئنان على القلب، فهذا لا ينكر فقد قال الله عز وجل على لسان إبراهيم (( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ))[البقرة:260]، فإبراهيم عليه السلام سأل الله عز وجل كيفية إحياء الموتى، مع أنه مؤمن بهذا الشيء ولا شك في ذلك، لكن عندما سأله الله عز وجل وهو أعلم قال لكي يطمئن قلبي، وكذلك عمر - رضي الله عنه- سأل حذيفة من باب اطمئنان القلب، كذلك أيضاً الجواب الثالث يقال أيضاً ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في صلاة الليل في دعاء الاستفتاح، {اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} فالرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أن الله جعله مصدراً للهداية وجعله آية للناس، إلا أنه يسأل الله عز وجل الهداية، مع أن الله عز وجل جعل رسول هداية للناس ومصدراً من مصادر الهداية، ومع ذلك يسأل الله عز وجل الهداية وأن يهديه إلى الحق، فلا ينكر لعمر أن يسأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا، كذلك أيضاً ثبت في صحيح البخاري من حديث زيد بن ثابت أن أم العلا أمرآة من الأنصار بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرت أن عثمان بن مضغون مات وكفن في أثوابه وعندما كفن عثمان، دخل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت أم العلا هذه: رحمة الله عليك أبا السائغ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يدريك إن  الله قد أكرمه، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال - عليه الصلاة والسلام- أما هو فقد جاءه يقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، فقالت: والله لا أزكي أحداً بعدها. فأيضاً هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أنه يعلم أن الله عز وجل لم يفعل به إلا الخير، ومع ذلك يقول لا أدري ماذا يفعل بي، فإذاً لا يتعجب على عمر أنه سأل حذيفة بن اليمان أنه من المنافقين أم لا, إذا تبين أن هذا ليس بمستنكر على زيد بن وهب أنه يروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كذلك طبعاً الحديث الثاني الذي أنكره يعقوب بن سفيان على زيد بن وهب، قال: ومما يستدل به على ضعف حديثه؛ أي زيد بن وهب روايته عن حذيفة إن خرج الدجال تبعه من كان يحب عثمان، فيعقوب بن سفيان حمل نكارة هذا الحديث على زيد بن وهب، ما في شك أن هذا منكر وباطل، فجعل العلة في زيد بن وهب، فالجواب عن هذا الحديث يقال: أنه لا يلزم في بطلان هذا المتن أن يكون الحمل فيه على زيد بن وهب، ففي الإسناد منصور بن عبد الأسود، قال عنه ابن معين لا بأس به كان من الشيعة الكبار، وقال أبو حاتم يترك حديثه، وقال النسائي ليس فيه بأس، وثقه ابن معين في رواية أخرى، فالمنصور ابن أبي الأسود متهم بأنه شيعي، بل من كبار الشيعة، وبعضهم لينه نوعاً ما، وهو أبو حاتم الرازي، فقد تكون العلة من هذا الشخص، قد تكون العلة في بطلان هذا المتن، من المنصور ابن أبي الأسود، وكذلك أيضاً منصور ابن أبي الأسود الذي روى هذا عن الأعمش والأعمش عن زيد بن وهب، غير معروف بالرواية عن الأعمش، فأين أصحاب الأعمش من هذا الأثر، كذلك أيضاً الأعمش - رحمه الله -ما في شك أنه موصوف بالتدليس، وإن كان هذا التدليس من القسم الأول الذي لا يؤثر على الحديث، وأن الغالب عليه قلة التدليس، لكن بعض المرات قد يدلس، ونحن لا ننكر أنه لا يدلس، لكن المنكر هو تضعيف حديث الأعمش مطلقاً بدون دليل، فهنا الدليل موجود وهو بطلان هذا المتن، فقد يكون الأعمش قد دلس، فهنا لم يشتهر الأعمش بالتحديث عن زيد بن وهب، فهذا يكون دلس الأعمش، إذاً تبين من خلال هذه العلل انتفاء تعليل هذا الحديث من زيد بن وهب، فقد تكون العلة من منصور بن أبي الأسود، كذلك أيضاً الأعمش موصوف بالتدليس وقد تكون العلة من عنده، إذاً لا يلزم من بطلان هذا المتن أن يكون الحمل فيه على زيد بن وهب، أما الحديث الثالث الذي أنكره على زيد بن وهب فقال: رواية زيد مما حدثنا به عمر بن حفص قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال حدثنا زيد بن وهب، قال حدثنا أبو ذر قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أمشي في حرة المدينة عشاء، فلما استقبلنا أحد فقال: {يا أبا ذر ما أحب أنا أخذل بذلك لي ذهباً، ليأتي علي ليلة وعندي منه دينار، إلا ديناراً أوصله لبيت إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، وهكذا، إن الأكثرين هم الأقلين يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا} ثم قال بعد ذلك: { أتاني جبريل فأخبرني أن من مات ...... لله شيئاً دخل الجنة، قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق} فهذا الحديث الثالث الذي أنكره يعقوب بن سفيان على زيد بن وهب، والجواب عن هذا الحديث أن هذا الحديث إسناداً ومتناً، وقد اتفق الشيخان على تخريجه وعلى تصحيحه، كذلك أيضاً رواه الترمذي وقال حسن صحيح، كذلك أيضاً رواه النسائي، ذكرنا سابقاً أن النسائي في الغالب لا يروى عنه إلا حديثاً صحيحاً في الغالب، هذا واحد، ثانياً أن زيد بن وهب ما تفرد بهذا عن أبي ذر، بل روى هذا الحديث كثيرين من أصحاب أبي ذر، منهم الأحنف بن طي، ومنهم المسير، ومنهم المعروض، وكذلك أيضاً أناس آخرين يبلغون الخمسة، كلهم رووا هذا المتن أو بعض ألفاظ هذا المتن عن أبي ذر، كذلك أيضاً هذا المتن جاء عن غير أبي ذر، فجاء من حديث أبي الدرداء، إذاً ما علله به يعقوب سفيان هذا الحديث وأن علة هذا الحديث زيد بن وهب، هذا فيه نظر، وأن الصحيح أن هذا الحديث صحيح، وقد اتفق الشيخان وغيرهم على تصحيح هذا الحديث، أما الحديث الرابع الذي أنكره على زيد بن وهب هو ما قال حدثنا ابن نمير قال حدثنا ابن معاوية، قال حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، قال: {أخذت علينا فيساس؛ هي الأقداح الكبيرة من بيت حفصة قرب المساء في رمضان، وقد غشي السماء سحابه والشمس قد غابت، فأفطروا ثم لم يلبث السحاب أن تجلى، فإذا الشمس طالعة، فقال عمر لا نقضيه ما تجانسنا لإثمه} ثم ساق هذا الخبر من عدة أسانيد من غير طريق زيد بن وهب، أن عمر - رضي الله عنه- أمر الصحابة بقضاء هذا اليوم ثم قال: أن الكوفيين والحجازيين قد خالفوا زيد بن وهب، فزيد بن وهب نقل عن عمر أنه لم يأمر بالقضاء، بينما الحجازيين والكوفيين عن عمر أنه قد أمر بالقضاء، الجواب عن هذا الحديث إما أن يقال بتعدد هذه القصة، فتحمل رواية زيد بن وهب على قصة أخرى، وطبعاً هذا الشيء بعيد، أو قال بأن عمر - رضي الله عنه- اختار القضاء أولاً ثم بعد ذلك تبين له أنه ليس عليه إثم، فما شك أنه ليس عليهم إثم؛ لكن تبين له أن ليس عليهم قضاء لأنهم ما تعمدوا الإفطار، وإنما ظنوا أن الشمس قد غربت، وهذا ثبت في صحيح البخاري، في حديث أسماء أن أيضاً الشمس ظن الناس قد أنها قد غربت على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فافطروا، ثم انكشفت الشمس، ولم يذكر في هذا الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة بقضاء هذا اليوم، فالصحيح في هذه المسألة هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله -أن من وقع في مثل هذا أنه لا يقضي؛ لأنه ما تعمد الإفطار، وإنما ظن أن الشمس قد غربت ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ))[البقرة:286]، فإما أن يقال بأن عمر بعد أن أخبر بهذا الحديث تبين أنه لا يلزمه القضاء، فيحمل قول زيد بن وهب على ما تبين لعمر بعد ذلك، أو يقال بأن زيد بن وهب قد أخطأ في هذه الرواية، وطبعاً هذا لا ينافي ثقة زيد بن وهب، فعندما يخطئ الشخص في حديث أو في حديثين هذا لا يؤثر على حديث الشخص، وإنما العبرة بكثرة الخطأ، فإذا أكثر الشخص من الخطأ أو كان له أخطاء كثيرة، هذا هو الذي يؤثر، أما شخص يخطئ في حديث أو في حديثين فهذا لا يؤثر على حديث هذا الشخص، فمن الذي لا يخطئ؟ وكذلك أيضاً إذا قلنا في خطأ في هذا الرواية لا يلزم بأن نقول بأن المخطئ هو زيد بن وهب، بل قد يكون الأعمش - رحمه الله -هو الذي أخطأ، فلا يلزم بأن زيد بن وهب هو الذي وقع في الخطأ فهذه الأحاديث الأربعة هي التي استنكرها يعقوب بن سفيان، وتبين لنا من خلال الكلام على هذه الأحاديث أنه لا يلزم زيد بن وهب ولا حديث واحد، إلا الحديث الأخير، وأيضاً قد يقال لا يلزم أن يكون الخطأ في هذا الحديث من زيد بن وهب، فالراجح في زيد بن وهب أنه ثقة جليل من كبار التابعين، وأنه إما توفي عام 96هـ، أو توفي بعد بعدها, فالراجح من هذا أن زيد بن وهب ثقة كما ذهب إلى ذلك الجمهور. عن أبي ذر{ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ومعه بلال، فأراد أن يقيم فقال أبرد، ثم أراد أن يقيم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبرد في الظهر، حتى رأينا شيئاً، ثم أقام فصلى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن شدة الحر من طيف جهنم فابردوا عن الصلاة} قبل أن نأتي إلى فقه هذا الحديث، نذكر تخريج هذا الحديث، فهذا الحديث أخرجه الشيخان، الإمام البخاري في عدة مواضع، وكذلك أيضاً الإمام مسلم في صحيحه، وأبو داوود الطيالسي، والإمام أحمد وأبو خزيمة وابن حبان والطحاوي في شرح معاني الآسار، وأبو شيبة، وأبو عوانه في شرح السنة، والبيهقي، هذا ما يتعلق بتخريج هذا الحديث أما ما يتعلق بصحة إسناد الترمذي فإسناد الترمذي صحيح بل هو في الدرجة العليا من الصحة، لأن جميع رجاله ثقات، وكلهم من رجال البخاري، فهذا الإسناد يعتبر إسناد صحيح ومن أصح الأسانيد على وجه الأرض، هذا بغض النظر على كون الشيخان قد أخرجاه، فما في شك أن هذا الحديث صحيح إسناداً ومتناً، كذلك أيضاً هذا المتن كما ذكرنا فيما سبق أنه متن متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أما ما يتعلق بفقه هذا الحديث فقد تقدم لنا الكلام في الدرس الماضي الكلام على بعض المسائل التي تتعلق بهذا الحديث وهو أنه للظهر حالتان: الحالة الأولى: هي عندما لا يكون الجو حار، فالسنة في الظهر أنها تقدم في أول وقتها، كما تواتر في ذلك الأحاديث، كما في حديث أبي ذر أنه كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكذلك أيضاً في حديث جابر أنه كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس، فالسنة في صلاة الظهر أنها تقدم في أول وقتها، هذا إذا لم يكن الجو حاراً، أما إذا اشتد الحر فالسنة هو الإبراد في صلاة الظهر، وذكرنا الخلاف في هذه المسألة، لأهل العلم قولان في هذه المسألة: بعضهم ذهب إلى تعجيل الظهر في أول وقتها مطلقاً، حتى في حالة شدة الحر، والقول الثاني:  أن السنة فيها التأخير فيها مطلقاً وهو مذهب الحنفية، والقول الثالث: وهو ما ذهب إليه أصحاب الحديث كالإمام أحمد والشافعي والإمام مالك وغيرهم هو أن الظهر له حالتان: حالة يستحب فيها التقديم وهي عندما لا يكون الجو حار، وحالة يستحب فيها التأخير وهي عندما يكون الجو حار.

كذلك أيضاً أهل العلم اختلفوا في حكم هذا الأمر، أي أبردوا في الصلاة، فهذا أمر من الرسول من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته بالإبراد في الصلاة، فاختلف أهل العلم في ذلك هل هو على الوجوب أم على الاستحباب، فنقل القاضي عياض - رحمه الله -أن بعض أهل العلم حملوه على الوجوب، ولم يسن لأحدهم، كذلك الحافظ ابن حجر ما تم أحد من الناس ممن ذهب إلى وجوب الإبراد، وأما الظاهرية كأبي محمد بن حزم - رحمه الله -ما قال بالوجوب وإنما قال بالاستحباب، وذلك أن محمد بن حزم - رحمه الله -هو معروف بالقول بالظاهر أنه ذهب إلى أن الأمر في هذا محمول على الاستحباب وليس على الوجوب، واستدل بحديث خباب بن الأرت، أن خباب قال شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الشمس فلم يشفنا، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره، فاستدل ابن حزم بهذا الحديث على أن الأمر لا يفيد الوجوب، وفي الحقيقة أن هذا الاستدلال فيه نظر، فهذا الحديث لا يدل على ما استدل به، وهذا الحديث محمول على أن الصحابة رضي الله عنهم طلبوا زيادة التأخير على الوقت الذي أخره النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلبوا زيادة التأخير حتى تجتمع الأحاديث، حتى تكون الأحاديث مجتمعة وبعضها يوافق البعض الآخر، وما في شك أن إعمال النصوص أولى من إهمالها، وأن الواجب هو الجمع بين النصوص مهما أمكن، فيحمل حديث خباب بن الأرت على أنهم طلبوا زيادة في التأخير، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور، وأما القول الأول: الذي ذهبوا إلى التعجيل مطلقاً استدلوا أيضاً بهذا الحديث، وكما ذكرت أن هذا الحديث ليس فيه دليل عند التحقيق؛ لأن الأحاديث ذكرت وهي حديث أبي ذر وغيره التي تأمر بالإبراد في وقت صلاة الظهر عندما يكون الجو حار، تبين معنى هذا الحديث، وأن هذا الحديث محمول على أنهم طلبوا زيادة في التأخير، وبعضهم فسر هذا الحديث على معنى أخر، وهو الحافظ بن كثير، قال معنى هذا الحديث أن الصحابة طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوا الله لهم أن يرفع العذاب عنهم، وهذا كان في مكة، والثابت عن خباب بن الأرت في صحيح البخاري أنه أتى إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فطبعاً الرسول أجاب خباب بأن عليه أن يصبر، ثم ذكر { إن الرجل فيمن كان قبلكم كان يأسر، أو ينشر بالمنشار فيجعل قسمين فلا يرده ذلك عن دينه} فدعاه إلى الصبر، فابن كثير - رحمه الله -قال أن معنى هذا الحديث هو محمول على هذا المعنى بدليل رواية خباب التي أيضاً في البخاري، لكن في بعض الروايات في هذا الحديث أنهم طلبوا التأخير في صلاة الظهر، فيعني ما ذهب إليه الحافظ بن كثير فيه نظر، بدليل أن كلمات في هذا الحديث يتبين أنهم طلبوا التأخير في صلاة الظهر، أنهم بعيدين عن  المسجد، أما إذا كان الناس قريبين من المسجد فلا يسن لهم التأخير، ويجاب عن هذا أن هذا الحديث في السفر، وأن الغالب على المسافرين أنهم يكونون في مكان واحد، الغالب على المسافرين هو عدم الانتشار، وأنهم يكونون في مكان واحد، وتقدم أن الترمذي - رحمه الله -رد على الإمام الشافعي فيما يتعلق بهذا، فقال - رحمه الله -فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون لأمثالهم من البعد، وأيضاً بهذا رد إسحاق بن راهوية، وابن المنذر، رحمهم الله جميعاً، فالراجح في هذه المسألة أيضاً أن هذا في حق البعيد وحق القريب، ثم ذكرنا إذا هناك ما يزيل هذا الحر فليس من السنة التأخير، كما في هذا العصر: أن هناك أشياء تلطف الجو وتبعد الحرارة، إذا ً ليس هناك حاجة للتأخير، كذلك أيضاً ما يتعلق بهذه المسألة: وهو أن شدة الحر من طيف جهنم فابردوا عن الصلاة، هل هذا محمول على ظاهره؟ نعم؛ لأن هذا الحر بسبب حرارة جهنم, ومن طيف جهنم, ومن نفس جهنم، أم أن هذا الحر من جنس الحر الموجود في جهنم، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا الحر بسبب نفس جهنم.

حقوق النشر والطبع © 1429هـ الشيخ المحدث عبدالله بن عبدالرحمن السعد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alssad.com . All rights reserved

www.alssad.com