: المكتبة المقروءة : صوتيات مفرغة
طباعة

  : المكتبة المقروءة : صوتيات مفرغة
كتاب الصلاة من الترمذي3
 

 

تفريغ الشريط الثالث

الشيخ: فذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا الحر بسبب نفس جهنم، كما ثبت بذلك في الأحاديث الصحيحة، أن النار استأذنت، أو طلبت من الله عز وجل بأن يأذن لها بالتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الصيف، ونفس في الشتاء، فقال: إن من أشد ما تجدون من الحر هذا من طيف جهنم، وأشد ما تجدون من البرد هذا من حرور جهنم، فهذا هو دليل الجمهور، كذلك أيضاً ظاهر حديث أبي ذر، والأحاديث التي في معناه، أن شدة الحر من طيف جهنم، وظاهر هذا أن هذا من طيف جهنم، والذين ذهبوا إلى أن هذا من جنس الحر الموجود في جهنم، في الحقيقة ليس عندهم دليل واضح، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ: عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - كما في فتاويه، وطبعاً هذا يستغرب على الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله - أنه يذهب إلى هذا؛ لأن هذا خلاف ظواهر هذه النصوص؛ كذلك أيضاً هنا مسألة تتعلق بهذا الحديث: وهو عندما أراد بلال أن يؤذن قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد، فهنا المسألة: هل الآذان متعلق بالوقت أم متعلق بالصلاة؟ فظاهر هذا الحديث أنه متعلق بالوقت وليس بالصلاة، فإذا أرادوا أن يصلوا الجماعة عليهم أن يؤذنون، لكن الصحيح في هذه المسألة أن الآذان متعلق بوقت الصلاة، وكذلك أيضاً متعلق بالصلاة نفسها، متعلق بوقت الصلاة، ومتعلق أيضاً بإقامة الصلاة نفسها، فطبعاً الشارع جعل علامة على دخول الوقت وهو الآذان، فإذا دخل الوقت فشرع على المؤذن أن يؤذن، وأن لا يتأخر بعد دخول الوقت؛ كذلك أيضاً في هذا الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما أراد أن يؤخر الصلاة أمر بلال بأن يؤخر، فإذاً هو متعلق بالوقت، ومتعلق أيضاً بإقامة الصلاة، ففي الغالب أنه إذا أذن المؤذن أن تصلى الصلاة في أول وقتها، لكن إذا أراد الشخص أن يؤخر، إذا أراد الجماعة أن يؤخروا الصلاة فعليهم أن يؤخروا الآذان؛ لأن الناس عندما يسمعون الآذان يأتون، وعندما يأتون تكون الصلاة لا تقام، وإنما تؤخر، إذاً فالآذان متعلق بالوقت، ومتعلق كذلك أيضاً بإقامة الصلاة، فإذا كان الصلاة على العادة، فينبغي إذا دخل الوقت أن يؤذن المؤذن، وأما إذا كان من نية هؤلاء تأخير الصلاة، فعليهم أن يؤخروا الآذان.

القارئ: (قال جابر ما جاء في تعجيل العصر: قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: {صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها} .

قال وفي الباب عن أنس, وأبي أروى, وجابر, ورافع بن خديج,‏ قال ويروى عن رافع أيضا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تأخير العصر ولا يصح.؛ قال أبو عيسى حديث عائشة حديث حسن صحيح, وهو الذي اختاره بعض أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم عمر, وعبد الله بن مسعود, وعائشة, وأنس, وغير واحد من التابعين تعجيل صلاة العصر وكرهوا تأخيرها‏, وبه يقول عبد الله بن المبارك, والشافعي, وأحمد, وإسحاق) .‏

الشيخ: قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة، وقتيبة تقدم لنا كثيراً، وأن الإمام الترمذي - - رحمه الله - - يكثر عنه جداً، فقتيبة هو ابن سعيد بن جرير ابن طريف، أبو رجاء الثقفي، وهو ثقة ثبت مكثر من الحديث، وتوفي عام 240هـ، وهو من الطبقة العاشرة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

قال حدثنا الليث: الليث هو ابن سعد، هو عبد الرحمن السهمي مولاه أبو الحارث المصري، والليث ابن سعد إمام في الفقه، وإمام أيضا في الحديث، وهو من الطبقة السابعة، وتوفي عام 175هـ، وقد أخرج له الجماعة، وكما ذكرت هو متفق على إمامته وعلى جلالته وعلى فضله - - رحمه الله - - تعالى.

عن ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب القرشي الزهري أبو بكر المدني، ثم نزيل الشام، وهو أيضاً غني عن التعريف، وهو من كبار حفاظ الحديث، ومن كبار أهل العلم، وهو من صغار التابعين، وهو من الطبقة الرابعة، وتوفي في عام 124هـ، وقد أخرج له الجماعة، وابن شهاب - - رحمه الله - - قد وصف بالتدليس، لكن تدليسه من القسم الأول الذي ليس بضار، وأنا نبهت على هذا الشيء؛ لأنه وجدت بعض المعاصرين يضعف حديث ابن شهاب، فضعف حديث أنس بسبب ابن شهاب، وما في شك أن هذا خطأ فاحش، فإذا ضعف حديث الزهري، إذاً حديث من يصحح، إذا كان حديث الزهري ضعيف؛ إذاً ما في هناك حديث صحيح أبداً، فما في شك أن هذا خطأ فاحش، وكما ذكرنا سابقاً أن كبار الحفاظ رحمهم الله لا يتشددون كما يتشدد المتأخرين الآن، وكثير من الموصوفين بالتدليس الغالب عليهم أنهم قليلين التدليس، ونادر ما يقع التدليس منهم، وهذا طبعاً الذين جمعوا بين الثقة، وبين وصفهم بالتدليس، فأكثر الثقات الموصوفين بالتدليس الغالب عليهم قلة التدليس، ومن هؤلاء ابن شهاب وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، والأعمش، وسفيان الثوري، وابن عيينه، وهشيم، وغيرهم، وكل هؤلاء مقلين من التدليس، وكما ذكرنا سابقاً أن التدليس على قسمين لا ثالث لهما: إما أن يكون هذا الشخص تدليسه لا يضر، وهو المقل من التدليس، فهذا الشخص المقل من التدليس يكون تدليسه ليس بضار؛ لأن الأصل في روايته أنه محمول على الاستماع والاتصال، ولا يقال بأنه قد عنعن، ويحمل أنه دلس؛ لأن هذا الاحتمال ضعيف وبعيد، وذكرنا أنه لا بد من توفر عدة شروط حتى يحمل هذه العنعنه على السماع والاتصال؛ قلنا الشرط الأول: أن يكون هذا الشخص معروف، وأنه قد سمع من شيخه، ولو بأمر واحد، والأمر الثاني: أن يكون مثلاً مستقيم، بحيث أن هذا الشخص الموصوف بالتدليس لا يقال أنه أوثق من عنده، والأمر الثالث: أنه عندما تجمع طرق هذا الحديث لا يذكر هذا الشخص الموصوف بالتدليس أنه قد سمع هذا الحديث من شخص آخر، فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة فما في شك أن هذا يكون محمول على عدم التدليس, وابن شهاب ما في شك أنه من هؤلاء، وكما ذكرنا سابقاً أيضا يعني أن هذا التشدد مخالف للنقل، وأيضا هو مخالف للعقل، وما في شك أن هذا تشدد واضح، وأن هذا خطأ فاحش، ومع الأسف أنه بدأ بعضهم بالعن؛ يعني ضعف أحاديث في الصحيحين بسبب العنعنه، ما في شك أن هذا كما ذكرت خطأ، وأن هذا خلاف النظر, وكذلك أيضاً ابن شهاب - - رحمه الله - - موصوف بأنه يرسل، وله مراسيل، ومراسيل ابن شهاب الغالب عليها الضعف وعدم الصحة؛ لأنه وجد في تتبع الحفاظ أنه لا يرسل إذا كان المحدث له غير ثقة، أو ليس مشهوراً بالرواية، فكما قال أهل العلم لو كان ثقة لصح ابن شهاب، وطبعاً من مراسيله الضعيفة ما رواه عن عائشة، أن عائشة وحفصة قد صامتا ثم أفطرتا، في صيام نافلة، فأمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقضاء يوم عن هذا اليوم، وهذا ضعيف؛ لأنه مخالف لأحاديث جاءت بأن الذي يفطر في صيام النافلة ليس عليه قضاء، بل إذا أراد أن يقضي فليقضي، وإذا ما أراد فليس عليه شيء.

عن عروة، هو ابن الزبير بن العوام الأسدي المدني، وعروة أيضاً من كبار التابعين، أي من كبار التابعين في العلم والفقه والجلالة، وهو من الطبقة الثالثة، وتوفي عام 94هـ، وهو كما ذكرت متفق على إمامته وعلى فضله، وعلى علمه وعلى فقهه، وابن الزبير - - رحمه الله - - أيضاً يرسل لكن الغالب على مراسيله الاستقامة، كما نبه على ذلك ابن عبد البر في مقدمة كتابة التمهيد، الغالب على مراسيل عروة هو الاستقامة، وكما ذكرنا أيضاً أنه ملحق بعروة سعيد بن المسيب، والشعبي، وكذلك أيضاً إبراهيم النخعي، فهؤلاء ملحق أيضاً بعروة، فكل هؤلاء الغالب على مراسيلهم الاستقامة، عن عائشة أنها قالت: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء في حجرتها.

هذا الحديث أخرجه الشيخان وبقية أصحاب السنن، كالنسائي وابن داوود، وابن ماجة، وكذلك أيضاً رواه ابن خزيمة وابن حبان والإمام أحمد، والطحاوي وغيرهم، فهذا الحديث من الأحاديث المشهورة الموجودة في الصحيح والسنن والمسانيد، وبغض النظر عن كون الشيخين قد أخرجاه، فهذا الإسناد يعتبر من أصح الأسانيد على وجه الأرض، وهذا الإسناد يفيد العلم النظري، فإسناده مسلسل بالثقات الحفاظ. أما ما يتعلق بفقه هذا الحديث وهو ما ضرب عليه الترمذي: باب ما جاء في تعجيل العصر، فهذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، وقع خلاف في السنة في صلاة العصر، هل المستحب التقديم أم التأخير، ومتى يبدأ وقت دخول العصر، فذهب جمهور أهل العلم كالإمام مالك والإمام الشافعي، والإمام أحمد وإسحاق وغيرهم من أهل الحديث كابن المنذر وابن خزيمة، وغيرهم ذهبوا إلى أن العصر يدخل عندما يكون ظل الشيء مثله، عندما يكون ظل الشيء مثله يكون وقت صلاة الظهر قد انتهت، وهذا آخر وقت صلاة الظهر، ثم يدخل بعد ذلك وقت صلاة العصر، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس الذي تقدم لنا في أول المواقيت، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر عندما كان ظل الشيء مثله، كذلك أيضاً استدلوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: إن وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يكون ظل الشيء مثله، مالم يدخل وقت العصر، فعندما ينتهي وقت الظهر رأساً يدخل وقت العصر، فهذا الذي جعل الإمام الشافعي - - رحمه الله - - يقول: بأن وقت العصر لا بد بأن يزيد الفيء على ظل الشيء مثله؛ يعني لا بد أن يصير ظل الشيء مثله ويزيد قليلاً، فهنا يكون وقت العصر قد دخل، وبعضهم ذهب إلى أن هناك وقت مشترك بين الظهر والعصر، وممن ذهب إلى هذا من أهل الحديث ابن المبارك، واسحاق بن راهوية، فذهبوا إلى أن هناك وقت مشترك، وأن مقداره أربع ركعات، وهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، مقداره أربع ركعات، فقالوا يمكن أن يصلي إنسان الظهر ويصلي إنسان آخر العصر في نفس الوقت، وكلاهما قد صلى في نفس الوقت، فالأول صلى في آخر وقت الظهر، والثاني صلى في أول وقت العصر، وذهب الجمهور إلى أنه ليس هناك وقت مشترك بين الظهر والعصر، وإنما آخر وقت الظهر يدخل وقت العصر، وهذا هو الأرجح في هذه المسألة، والدليل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر، فهنا نص على أن وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر، فالراجح في هذه المسألة - والله أعلم - أنها ليست هناك وقت مشترك، والقول الثاني في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو أن وقت الظهر لا يدخل حتى يبلغ ظل الشيء مثليه، وكما ذكرنا فيما سبق أنه ليس هناك دليل صريح على ما ذهب إليه أبو حنيفة، وإنما هو - - رحمه الله - - استدل ببعض الآثار المنقولة عن السلف، ويبدو وما في شك أنه خفيت عليه الأحاديث الواردة بأن وقت العصر عندما يبلغ ظل الشيء مثله؛ ولذلك ذهب إلى قول ما نقل عن بعض السلف، فما في شك أن الراجح في هذه المسألة أن وقت العصر يدخل عندما يصبح ظل الشيء مثله.

ثم وقع بينهم خلاف آخر في نهاية وقت العصر، فذهب الإمام أحمد والإمام الشافعي إلى أن وقت انتهاء العصر هو أن يبلغ ظل الشيء مثليه، أو عندما تصفر الشمس أو تحمر، وفي هذا القول جاءت الأحاديث، فحديث ابن عباس المتقدم الذي رواه الترمذي وأبو داوود وابن أبي شيبة، أن وقت العصر عندما يبلغ ظل الشيء مثليه، وكذلك أيضاً استدلوا بحديث عبد الله بن عمرو العاص: أن وقت العصر من حين يبلغ ظل الشيء مثله ما لم تصفر الشمس، وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أبي موسى الأشعري الذي رواه مسلم أيضاً في صحيحه: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى العصر في اليوم الأول في أول وقته، ثم صلى العصر في اليوم الثاني عندما قائل يقول أن الشمس قد أحمرت، هكذا يقول أبو موسى، والقول الثاني طبعاً ابن المنذر - - رحمه الله - - جعل هذا القول عباره عن قولين أو ثلاثة، لكن في الحقيقة هو قول واحد، والقول الثاني في هذه المسألة أن وقت العصر يمتد إلى أن قبل أن تغيب الشمس بمقدار ركعة، واستدل بهذا القول بحديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: { من أدرك ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك الصلاة} فجعله مدركاً للصلاة، وإلى هذا القول ذهب ابن المبارك وإسحاق بن راهوية، والقول الثالث هو بأن وقت العصر يمتد إلى مغيب الشمس، واستدل بهذا القول بما ثبت في صحيح مسلم أيضاً في حديث أبي قتادة، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: { ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصلي حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى} فجعل أن المفرط هو الذي يؤخر الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى، والذي بعد العصر هو صلاة المغرب، وصلاة المغرب لا تكون إلا بمغيب الشمس، وذهب الإمام الشافعي وغيره من أهل الحديث إلى الجمع بين هذه الأحاديث، وبين هذه النصوص، فقالوا بأن للعصر وقتين: وقت اختيار ووقت ضرورة، وقت الاختيار إلى أن تحمر أو تصفر الشمس، ووقت الضرورة إلى أن تغيب الشمس، أو إلى طبعاً قبل غياب الشمس بمقدار ركعة، وما ذهب إليه الإمام الشافعي وغيره من أهل الحديث هو القول الراجح في هذه المسألة، وبهذا تجتمع الأدلة، وتجتمع الأقوال الواردة في هذه المسألة، وما في شك ذكرنا سابقاً قاعدة صحيحة في هذا الباب، وهو ينبغي الجمع بين النصوص مهما أمكن، وإعمال النصوص أولى من إهمالها، وعندما نقول بهذا التفصيل تكون الأخبار قد اجتمعت، فيحمل ما جاء في حديث أبي هريرة في حق الشخص المعذور، وكرسالة على هذا الحائض عندما تطهر قبل مغيب الشمس بمقدار ركعة، فإذا طهرت قبل مغيب الشمس بمقدار ركعة عليها أن تصلي صلاة العصر، وتعتبر صلاة العصر لازمة لها، فالجمع بين الأقوال يقال بهذا التفصيل الذي ذهب إليه الإمام الشافعي - - رحمه الله - - تعالى.

ثم قال أبو عيسى - رحمه الله - في الباب عن أنس، حديث أنس رواه البخاري ورواه مسلم أنه كان الشخص يصلي مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم يذهب إلى قباء، والشمس لا زالت حية.

وثم قال وعن أبي عروة وجابر ورافع بن خديج، طبعاً حديث أبي عروة ما بحثت عنه، وما أدري من أخرجه، وأيضاً حديث جابر في البخاري ومسلم، وحديث رافع بن خديج أيضاً رواه الشيخان، يقول: كنا نصلي مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم ننحر جزوراً ثم نقسمها، ثم نطبخ لحم هذه الجزور، ثم نأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغرب الشمس، فهذا دليل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي صلاة العصر في أول وقتها. ثم قال أبو عيسى ويروى عن أبي رافع أيضاً وهذا حديث آخر عن أبي رافع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تأخير العصر، ولا يصح، وحديث أبي رافع هذا رواه البخاري في كتابه التاريخ الكبير، والدار القطني، والبيهقي، وهو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر بتأخير العصر، وهذا الحديث باطل، ولا شك في بطلانه، وفيه عبد الله بن نافع، وهو كما قال ابن حبان يروي الموضوعات عن الثقات، وما في شك أن هذا الحديث باطل وقد ضعفه أبو عيسى الترمذي، كذلك أيضاً شيخه البخاري ذهب إلى تضعيفه، وكذلك أيضاً الزيلعي والدار قطني، كلهم ذهبوا إلى تضعيف هذا الحديث، وما في شك أنه باطل، ومخالف لحديث رافع الصحيح، ومخالف أيضاً لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في أداء هذه الصلاة، بالإضافة إلى ضعف إسناده، وأن فيه رجل متهم بأنه يروي الموضوعات، كما قال أبو عيسى حديث عائشة حديث حسن صحيح، تقدم لنا سابقاً في بداية دورس الترمذي أن معنى حسن صحيح عند الترمذي هو معناه صحيح، فذكرنا أن في هذه المسألة ثمانية أقوال، أو تسعة أقوال، والراجح والله أعلم، أن معنى حسن صحيح أن معناه حديث صحيح، والدليل على ذلك هو الاستقراء، استقرءنا كثيراً من كلام الترمذي في هذا الباب، فوجدناه يطلق على الأحاديث الصحيحة التي لا شك في صحتها، يطلق عليها بأنها حسنه صحيحة، لكن في بعض الأحيان يستعمل حسن صحيح بمعنى أن هناك صحيح وأصح، فاستعمل في بعض الأحيان حسن صحيح بمعنى أن هناك حديث صحيح وهناك أصح من هذا الصحيح، فروى حديثه من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبضي، عن أبيه عن أبي هريرة، ثم روى نفس هذا الحديث عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبضي، عن أبي هريرة، ثم قال عن الأول حسن صحيح، وقال عن الثاني صحيح، وقال هو أصح من الأول، وما في شك أن ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن أوثق بكثير من محمد بن عجلان، فهنا استعمل حسن صحيح بمعنى أن هناك أصح منه، لكن الأصل في إطلاقه لهذه العبارة أنه يستعملها في الحديث الصحيح، وأن معناها صحيح، ثم قال وهذا الذي اختاره بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة، وأنس، وغير واحد من التابعين، تعجيل صلاة العصر وترك تأخيرها، وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، كما ذكرنا أن الجمهور ذهبوا إلى أن السنة في العصر هو تقديمها مطلقاً، وتقدم سابقاً التنبيه على هذا الشيء، في أول باب من المواقيت، وقلنا أن الصلاة على ثلاثة أقسام: هناك صلاة السنة التقديم مطلقاً وهي صلاة العصر وصلاة الفجر، وهناك صلوات السنة فيها التأخير مطلقاً وهي صلاة العشاء، وهناك صلوات الأمر فيها بالتفصيل: على حسب الأحوال مرة تقدم ومرة تأخر، وهي صلاة الظهر، وصلاة المغرب طبعاً ملحقة بصلاة الفجر والعصر، وهي أن السنة فيها التقديم مطلقاً، وسوف يأتينا التنبيه على هذه المسألة، هذا - والله أعلم - وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

القارئ: (قال: حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد فقال قوموا فصلوا العصر‏.‏ قال فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ‏{‏ تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ‏}‏.‏ قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح).‏

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن حجر، وهو ابن إياد السعدي المروجي، وزير بغداد، وهو ثقة حافظ فاضل، من صغار الطبقة التاسعة، وتوفي في عام 244هـ، وقد أخرج له الجماعة، إلا أبو داوود فهو لم يخرج عنه.

قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، هو ابن أبي كثير الأنصار الزرقي المدني، وهو ثقة ثبت، من الطبقة الثامنة، وتوفي في عام 180هـ، وقد أخرج له الشيخان، وأصحاب السنن.

عن العلاء بن عبد الرحمن، هو الفرقي المدني، المكنى بأبي شبل، والعلاء بن أبي عبد الرحمن من صغار التابعين، من الطبقة الخامسة، وتوفي في عام 132هـ، والعلاء بن عبد الرحمن وقع فيه اختلاف بين موثق له، وبين مضعف له، فذهب إلى توثيقه الإمام أحمد رحمه الله، فقال: ثقة وما سمعت أحداً يذكره بسوء، وكذلك أيضاً وثقه أبو عيسى الترمذي، وقال هو أيضاً ثقة عند أهل الحديث، وكذلك أيضاً الواقدي نص على توثيقة، وقال النسائي، ويحيى بن معين في رواية عنه، وكذلك ابن عدي، قالوا كلهم عنه لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي صالح، وضعفه بعض الحفاظ، فنقل عن يحيى بن معين أنه قال إن حديث العلاء بن عبد الرحمن ليس بحجة، وقال أيضاً ما زالوا يتقون حديثه، وقال عنه الخليلي مختلف فيه، وقال عنه أبو زرعة الرازي ليس بالقوي، فهذا ملخص الكلام في العلاء بن عبد الرحمن، ولعل الأرجح - والله أعلم - في العلاء بن عبد الرحمن أنه ثقة، كما قال الترمذي، وكما قال الإمام أحمد؛ لأن العلاء بن عبد الرحمن عندما تتبع حديثه تجد أن حديثه مستقيم، واستقامة حديثه دليل على ثقته وضبطه، فلذلك أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه، الإمام مسلم أكثر من الرواية عن أبيه عن أبي هريرة، روى له كثيراً في كتابه الصحيح، وكذلك أبو عيسى الترمذي عندما يروي عن العلاء في الغالب أنه يصحح حديثه، فأقول أن الاستقراء دل على استقامة حديث العلاء بن عبد الرحمن، ولذلك تجد أن من ترجم للعلاء بن عبد الرحمن ما ذكر له شيئاً منكراً، وإنما هي ثلاثة أحاديث أو أربعة أحاديث وقع فيها اختلاف بين الحفاظ، فمن الأحاديث التي أنكرت عليه وهو أشهر هذه الأحاديث ما رواه عن أبيه عن أبي هريرة، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا، وهذا الحديث هو الذي دعا كبار الحفاظ إلى الكلام في العلاء بن عبد الرحمن، وكثير من الحفاظ أنكروا هذا الحديث، وممن أنكر هذا الحديث الإمام أحمد وأبو زرعة الرازي، والخليلي كلهم على إنكار هذا الحديث، ووجه إنكار هذا الحديث أنه ثبت في الأحاديث الصحيحة ما يخالف هذا الحديث، فثبت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم أغلب شعبان، كما ثبت في ذلك حديث أم سلمة، وفي حديث عائشة، أنه كان يصوم أكثر شعبان، فهذا فيه مخالفة لهذا الحديث الذي يقول إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، كذلك أيضاً في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن تقدم رمضان في الصيام في يوم أو يومين، ثم قال إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه، فهنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ينهى عن التقدم في صيام رمضان، أو قبل الصيام بالنسبة لرمضان إلا في يوم أو يومين، ولم ينهى عن الصيام من منتصف الشهر، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن، فلذلك ذهب كبار الحفاظ على إنكار هذا الحديث، وبعض الحفاظ ذهب إلى تصحيحه، كما صححه أبو عيسى الترمذي، وابن حبان، وابن حزم، وكذلك أيضاً الزرقاني صاحب الأضافير فكلهم ذهبوا إلى تصحيح هذا الحديث، والأقرب - والله أعلم - أن هذا الحديث شاذ ولا يصح، كما ذهب إليه كبار الحفاظ؛ لأن هذا الحديث لا يمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة، بل نقل الطحاوي - رحمه الله - على أن الأمة مجمعة على استحباب الصيام في شعبان، إلا قبل رمضان بيوم أو يومين، أما صيام شعبان أكثره فالأمة مجمعة على ذلك، فكيف بهذا الحديث ينهى عن الصيام من منتصف شعبان إلى أخره، فلا يمكن أن يجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة، فالأقرب - والله أعلم - أن العلاء بن عبد الرحمن هنا أخطأ في هذا الحديث، والحديث الثاني الذي ذكر له وذكره الحافظ الذهبي هو ما رواه عن أبيه عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد الخدري، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:{ إن عزرة المسلم إلى أنصاف الساقين} طبعاً هذا الحديث وقع للعلاء فيه اختلاف، وقع له فيه اضطراب، أما المتن طبعاً صحيح، المتن جاء في أحاديث أخرى، وأن عزرة المسلم إلى أنصاف الساقين، لكن ذكر الحافظ الذهبي بأنه وقع على العلاء اختلاف، فرواه شعبة والثوري عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد، وهذا هو القول الصحيح في هذا الحديث، ورواه بعضهم وهو كليب بن سليمان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فخالف رواية شعبة والثوري، فرواه زيد بن أبي  أنيسه عن العلاء ابن عبد الرحمن عن لؤي المدمر عن ابن عمر، فالخلاصة أن العلاء اختلف عليه في هذا الحديث، ولعل الأقرب - والله أعلم - أن هذا الاختلاف ليس من العلاء، وإنما هو من أصحابه، هو من كليب بن سليمان، ومن زيد بن أبي أنيسه، وكليب بن سليمان، وإن كان الراجح أنه حسن الحديث إلا أنه متكلم في حفظه، وله أخطاء وأوهام، ولا يستبعد أنه قد أخطأ على العلاء في هذا الحديث، كذلك طبعاً زيد بن أبي أنيسه ما في شك أنه ثقة، وإن كان الإمام أحمد وصفه بأنه له بعض الأحاديث التي تفرد به، لكن الأقرب أنه ثقة كما ذهب إلى ذلك الجمهور من الحفاظ، لكن لا يستبعد أيضاً أن زيد بن أبي أنيسة أخطأ على العلاء في هذا الحديث، بدليل رواية سفيان الثوري وشعبة، عن العلاء عن أبيه عن أبي سعيد، فالخلاصة لا يتبين أن الخطأ من العلاء في هذا الحديث، بل يكون الخطأ - والله أعلم - وهو الأقرب من الرواة عن العلاء بن عبد الرحمن، وذكر له حديثاً آخر وهو ما رواه عن أبيه عن أبي هريرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله عز وجل قسم الصلاة نصفين، أن الله عز وجل يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ثم ذكر سورة الفاتحة، هذا الحديث بعضهم رواه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي الساعد، فطبعاً بعضهم جعل العلاء هنا قد يفترض، لكن كلا الروايتين صحيحه، فقد أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه، أخرجه من الطريقين، فهذه الأحاديث فقط الثلاثة التي ذكرت على العلاء، وتبين لنا أن الحديث الأول نعم الأقرب أن هذا الحديث شاذ وليس بصحيح، ولا يستبعد أن الخطأ من العلاء بن عبد الرحمن، وأما الحديث الثاني والثالث فلم يتبين أن العلاء قد أخطأ في هذين الحديثين، فعندما يخطئ شخص في حديث واحد فما في شك أن هذا لا يدل على أن هذا الشخص في ضعف أو كذب، بل يدل على أن هذا الشخص ثقة؛ لأن مثل علاء وهو مكثر من الحديث ولا يعرف له إلا حديث واحد قد أخطأ فيه، فهذا يدل على حفظه، وعلى ثقته وعلى إتقانه، فالراجح في العلاء - والله أعلم - هو ما ذهب إليه الإمام أحمد وأبي عيسى الترمذي أنه ثقة، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، طبعاً أنس بن مالك هو الأنصاري المجاوي، خادم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، المكنى بأبي حمزة، وتوفي في عام 93هـ، على خلاف في وفاته، وذكر أهل العلم أن أنس بن مالك هو آخر الصحابة وفاة في مدينة البصرة، وكما هو معلوم لنا أن آخر الصحابة وفاة على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واكلة الليثي، المتوفي في عام 110هـ، فهذا أخر الصحابة وفاة؛ونص أهل العلم أن كل رجل أدعى الصحبة وقد توفي بعد عام 110هـ، فهو كاذب وليس بصادق، واستدلوا على ذلك بما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر، أنه في العام الذي توفي فيه قال: لا يبقى على بعد مائة سنة ممن هو على ظهري اليوم أحد، فقال هذا الكلام في السنة التي توفي فيها، وبالفعل توفي بعد مائة سنة آخر الصحابة الذي كانوا باقين عندما تكلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهذا الكلام، إذاً كل شخص أدعى الصحبة بعد عام 110هـ، فهو كاذب، وليس بصادق، حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد، فقال: قوموا فصلوا العصر، قال: فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربع لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، طبعاً فيما يتعلق بصحة هذا الحديث تبين لنا من خلال ترجمة رواة هذا الحديث من حيث الإسناد صحيح، وكذلك أيضاً من حيث المتن، فهذا الحديث صحيح إسناداً ومتناً، فإسناده مستقيم ورجاله ثقات، وكذلك أيضاً متنه مستقيم، وليس فيه شيء، فهذا الحديث صحيح إسناداً ومتناً، فلذلك كبار الحفاظ ذهبوا إلى تصحيحه كالإمام مسلم والترمذي هنا وأبو عوانة وغيرهم، أما ما يتعلق بتخريج هذا الحديث، معظم أهل الحديث أخرجه من الطريقة التي ذكرها الترمذي وهي من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان، كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء به، وأخرجه الإمام مالك عن العلاء، وتابعه أيضاً إسماعيل بن جعفر في رواية هذا الحديث عن العلاء، فرواه في كتابه الموطأ عن العلاء، ورواه من طريق الإمام مالك الإمام أحمد, وأبو داوود، وأبو عوانة، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وابن حبان, وعبد الرزاق, وابن خزيمة, والبيقهي في السنن الكبرى، والبرزي في شرح السنة، كلهم رووه عن طريق الإمام مالك عن العلاء به، وكذلك أيضاً تابع إسماعيل شعبة بن الحجاج، رواه من طريقه ابن خزيمة، وكذلك أيضاً تابعة ولقاه, ورواه الطيالسي أبو داوود من طريق ولقاه عن العلاء بن عبد الرحمن به، وكذلك أيضاً رواه ابن عجلان عن العلاء بن عبد الرحمن، ورواية بن عجلان رواها ابن حبان في كتابه الصحيح، ورواه الإمام أحمد وأبو يعلا في كتابه المسند، وابن المنذر في كتابه الأوسط، كلهم من طريق إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن، فكلهم رووا هذا الحديث من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك، وتابع العلاء بن عبد الرحمن حفص بن عبيد الله بن أنس عن جده، ورواية حفص بن عبيد الله عن الإمام أحمد وابن حبان، وكلاهما رووه من طريق ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن حفص به، وهذا الإسناد لا بأس به، فأسامة بن زيد لا بأس به، أسامة بن زيد الليثي فيه خلاف مطول لكن الأقرب - والله أعلم - أنه لا بأس به، وطبعاً هذا الإسناد لا بأس به إلا أنه فيه غرابة؛ لأنه إسناد فرد، لكن يعتبر مقوي وشاهد لحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أنس، وما في شك أن حديث العلاء عن عبد الرحمن عن أنس يعتبر صحيح، ورواية أسامة بن زيد الليثي عن حفص تعتبر أيضاً زيادة في تقوية وتصحيح هذا الحديث، هذا ما يتعلق تصحيح هذا الحديث، وترجمة من رواه، أما ما يتعلق بفقه هذا الحديث فتقدم لنا فيما سبق أن للعصر وقتين: فوقت اختيار ووقت ضرورة، وقت الاختيار هو ما لم تصفر الشمس، وقت الاختيار من حين أن يكون ظل الشيء مثله إلى أن تصفر الشمس أو إلى أن لا تصفر؛ أي قبيل أن تصفر الشمس، من حين يبلغ ظل الشيء بمثله إلى أن قبل تصفر الشمس، كل هذا يعتبر وقت اختيار، وهذا هو الذي جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: { والعصر بعد الظهر ما لم تصفر الشمس} وذكرنا فيما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصح حديث في المواقيت بل أحسن حديث في المواقيت كما قال هو: هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن أغلب الأحاديث التي جاءت في المواقيت هي أحاديث فعلية وإخبار من الصحابة عن فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بينما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهذا الوقت يعتبر وقت اختيار، ووقت الضرورة هو من حين اصفرار الشمس إلى أن تغاب الشمس، وقلنا أن هذا الوقت هو وقت ضرورة؛ لأن هناك أحاديث تفيد بأن العصر ينفذ وقتها من حين انتهاء صلاة الظهر، ومن حين يبلغ ظل الشيء مثله إلى مغيب الشمس، كما في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: { من أدرك ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك الصلاة} فهذا الحديث يفيد بأن الصلاة تدرك بإدراك ركعة قبل مغيب الشمس، لكن عندنا حديث العلاء هذا وكذلك أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فحديث العلاء عن أنس بن مالك جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلاة المنافقين عندما تصفر الشمس، فقال: تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، وفي رواية الإمام مالك في الموطأ حتى إذا أصفرت الشمس، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- ذم هذا الشخص الذي يؤخر الصلاة إلى أن تصفر الشمس، وجعل هذه صلاة المنافقين، وطبعاً لا يسمى هذا الشخص منافق حتى يستمر أو يكثر من هذا الفعل، يعني عندما يقع الشخص مرة واحدة في هذا العمل لا يعتبر منافقاً، فالحديث يدل على أن إذا داوم الشخص فجعل صلاة المنافقين إذا أصفرت الشمس، قاموا وصلوا هذه الصلاة، فلذا بعض الناس إذا أكثر من أنه لا يصلي صلاة العصر إلا إذا أصفرت الشمس فهذا يكون منافقاً كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبعاً معروف أن النفاق مقسوم إلى قسمين: نفاق اعتقادي ونفاق عملي، والنفاق ألاعتقادي معروف وهو أن يظهر الشخص دين الإسلام ويبطن الكفر والعياذ بالله فهذا هو النفاق الإعتقادي وهذا هو الذي كان على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأيضاً إلى عصور بعده، فهذا هو النفاق الإعتقادي، وما في شك أن هذا كافر، وأما النفاق العملي هو الذي جاء في حديث عبد الله وجاء أيضاً في حديث أبي هريرة، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر المنافق وقال: { إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان} وفي رواية إذا خاصم فجر، فالعلماء جعلوا من اتصف بهذه الصفات منافقاً عملياً، وقالوا: هذا النفاق هو الأصغر الذي لا يخرج عن الإسلام، وهذا هو المشهور بين أهل العلم، وأقدم من ذكر هذا التصنيف أبو عيسى الترمذي كما في كتابه الجامع، فجعل النفاق قسمين اعتقادي وعملي، وهو الذي جاء في حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وخالفهم بعض أهل العلم، وقالوا: من أتصف بهذه الصفات التي ذكرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، فكل هذا دليل على نفاقه الإعتقادي الأكبر، فيكون إذا داوم على أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، إذا داوم على هذا الشيء يكون هذا الشخص منافق نفاق أكبر، ويستدل بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:{ من كان فيه هذه الصفات كان منافقاً خالصاً} فجعله منافقاً خالصاً، ووجه هذا القول وقال: لا يمكن للمسلم أن يتصف بهذه الصفات ويكثر منها ويستمر عليها، إلا شخص منافق نفاقاً أكبر، وطبعاً من ذهب إلى هذا القول قوله يعتبر قوي بدلالة هذا الحديث الصحيح الذي قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { من كان فيه هذه الصفات كان منافقاً خالصاً} ومن كان فيه خصلة منهن ففيه نفاق بحسبه، فمن اتصف بهذه الصفات وأكثر منها، وداوم عليها يعتبر منافقاً نفاقاً اكبر، وممن ذهب إلى هذا القول هو عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله، كما علق بذلك على كتاب الفقيد المسمى الموضح, فكلامه حسن وجيد، فالخلاصة أنه عندما نجمع بين الأحاديث الواردة في وقت صلاة العصر تفيد أن لهذه الصلاة وقتان: وقت اختيار ووقت ضرورة، وأن وقت الاختيار ما لم تصفر الشمس، وأن وقت الضرورة، من حين اصفرار الشمس إلى أن تغيب، والمقصود بالضرورة عندما الإنسان يضطر إلى تأخير الصلاة، بحيث ينشغل الإنسان بشغل ما يستطيع أن يدعه ويصلي، أو مثلاً حائض ما طهرت إلا بعد اصفرار الشمس، أو مثلاً شخص أغمي عليه ولا أفاق من هذا الإغماء إلا بعد اصفرار الشمس، فهؤلاء يعتبرون معذورين في ترك هذه الصلاة، ويعتبرون مدركين لهذه الصلاة، لكن في وقت الضرورة، وليس في وقت الاختيار، أما الإنسان الذي ليس عنده شيء وليس هناك مانع أن يصلي الصلاة في وقتها، فهذا الشخص لا يجوز له أن يفعل هذا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذمه وجعل أن هذا هو صلاة المنافقين.

بالنسبة للمسافر ما يعتبر معذور إلا إذا كان يرطن إلى هذا الشيء مثلاً وإلا مجرد السفر لا يعتبر عذر، فالشخص يتوقف ويتوضأ ويصلي، ولم ينقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سفراته أنه كان يؤخر صلاة العصر، بل تواتر في الأحاديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر في أول وقتها، كما تقدم لنا فيما سبق.

القارئ: (باب ما جاء تأخير صلاة العصر:قال حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، أنها قالت كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشد تعجيلا للظهر منكم وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه ‏.قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث، عن إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، نحوه؛.‏ ووجدت في كتابي أخبرني علي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج، وحدثنا بشر بن معاذ البصري، قال حدثنا إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج، بهذا الإسناد نحوه.‏ وهذا أصح).‏

الشيخ: قال أبو عيسى: حدثنا علي بن حجر، هو ابن إياس السعدي المروجي، وطبعاً هو الذي تقدم لنا في الحديث الذي قبل هذا، وقلنا أنه من صغار الطبقة التاسعة، وهو ثقة حافظ فاضل، توفي في عام 244هـ. قال حدثنا إسماعيل بن عليه، هو ابن إبراهيم ابن المقتن الأسدي، المشهور بابن عليه، وإسماعيل ابن إبراهيم البصري ثقة حافظ، بل هو من كبار الحفاظ، ومن الطبقة الثامنة، وتوفي عام 193هـ، إسماعيل يعتبر من كبار الحفاظ، ومن أحفظ أهل البصرة، كما نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، وتوفي عن ثلاث وثمانين سنة، وقد أخرج له الجماعة.

عن أيوب، هو ابن أبي تميمة كيسان السختياني.....، البصري، وهو من صغار التابعين، من الطبقة الخامسة وتوفي عام 131هـ، وقد أخرج له الجماعة، وأيوب غني عن التعريف، وهو متفق على إمامته وعلى فضله وعلى عبادته وعلى ثقته، فهو من كبار الثقات الأثبات، ومشهور بالعبادة وبالفضل. عن أبي مليكة، هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسم أبي ملكية زهير، القرشي التيمي المكي، وابن أبي ملكية من الطبقة الثالثة، أي من الطبقة الوسطى من التابعين، وتوفي عام 117هـ، وقيل 118هـ، وقد أخرج له الجماعة، وهو ثقة فقيه فاضل، ومتفق على توثيقه، وكان قاضياً لعبد الله بن الزبير، وأيضاً كان مؤذناً له - رحمه الله - تعالى. عن أم سلمه، هي هند بنت أبي أبية ابن المغيره القرشية المخزومية، المكناة بأم سلمة، وهي زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأم سلمة تعتبر من أكثر نساء الرسول -صلى الله عليه وسلم- رواية للحديث، وليس هناك امرأة من زوجات الرسول أكثر منها رواية إلا ما كان من عائشة، فعائشة أكثر منها بكثير فروت أكثر من ألفين حديث، بخلاف أم سلمه فتقريباً الأحاديث المروية عنها أربعمائة حديث، في الكتب الستة لها ثلاثمائة حديث، وفيها تكرار، وقد توسع في ذكر أحاديثها، لها أكثر من خمسمائة حديث وهذا أيضاً بالتكرار، فتقريباً لها أربعمائة حديث، وأم سلمة هي آخر زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفاة، فتوفيت في عام 62هـ، أنها قالت: كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أشد تعجيلاً للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه.

قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث عن إسماعيل بن عليه عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة نحوه، ثم قال: ووجدت في كتابي: أخبرني علي بن حجر عن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريح، فقال: حدثنا بشر بن معاذ البصري، قال حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن جريح، بهذا الإسناد نحوه وهذا أصح. قبل أن نأتي للترجيح بين الأسانيد، نترجم لهؤلاء الرجال، فبشر بن معاذ البصري صدوق من الطبقة العاشرة، وقد تقدم لنا في أول دروس الترمذي. قال حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن جريح، هو عبد الملك بن عبد العزيز، الأموي مولاه، المكنى بأبي خالد، أو بأبي الوليد المكي، وأبو جريح من أكبر أتباع التابعين، وكان معاصراً لبعض الصحابة، لأنه ولد في عام 80هـ، كما قال بن السعد، وتوفي في عام 150هـ، على القول المشهور، وهو من الطبقة السادسة، وابن جريح إمام في الفقه، وإمام في الحديث، وهو من كبار الحفاظ - رحمه الله - تعالى، وابن جريح في حديثه تفصيل، إذا كان شيخه هو عطاء بن أبي رباح أو عمرو بن دينار، أو نافع مولى بن عمر، فحديثه يكون في الدرجة العليا من الصحة؛ لأن ابن جريح - رحمه الله - من أثبت الناس في عطاء، ومن أثبت الناس في نافع وفي عمرو بن دينار، وبالذات عطاء بن أبي رباح؛ فقد لازمه أكثر من 17 عاماً، ونقل عنه أنه لازمه 18عاماً وأيضاً قيل أنه لازمه 20عاماً، وأيضاً نقل عنه أنه لازمه 21عاماً، فكما قال الإمام أحمد وعلي بن المديني أن ابن جريح هو أعلم الناس بحديث عطاء، وكذلك أيضاً بالنسبة لعمرو بن دينار فهو أيضاً من أثبت الناس كما ذكر ذلك الدار قطني، وابن المديني مع سفيان ابن عيينه، وإن كان المشهور أن سفيان بن عيينه أثبت منه في عمرو بن دينار، لكن ما في شك أنه ثبت ويأتي في الدرجة الثانية بعد عمرو بن دينار، وكذلك أيضاً هو ثبت في نافع حتى أن يحيى بن سعيد القطان قدمه على مالك في نافع، ومعلوم أن مالك هو من أثبت الناس في نافع، فهو من أثبت الناس في هؤلاء الثلاثة، وتكلم في رواية ابن جريح عن الزهري وكذلك أيضاً عطاء الخرساني، فتكلم في رواية ابن جريح عن الزهري، فقال: ليس بشيخ في الزهري، ولعل السبب في ذلك كما صرح ابن جريح قال: لم أسمع من الزهري، وإنما اتخذت كتبه، واستجزته في رواية أهل الكتب عنه فأجازني، قال: لم أسمع منه وإنما أجازني أن أحدث بما هو موجود في كتبه، فلذلك هذا الذي دعا يحيى بن معين إلى الكلام فيه، فقال أن رواية ابن جريح عن الزهري ليست بشيء، وخالفه محمد بن يحيى الزهري فقال أن ابن جريح هو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، أي جعله مع الإمام مالك، ومع شعيب بن أبي حمزة، ومع الزبيدي، ومع سفيان بن عيينه، فهؤلاء هم الطبقة الأولى من طبقات أصحاب الزهري، فجعل الزهري ابن جريح مع هؤلاء، والقلب لما ذهب إليه محمد بن يحيى الزهري، وذلك بالأدلة التالية، وذلك أن الزهري - رحمه الله - هو ابن شيخ نافع بناء بحديث الزهري حتى أن له كتاب معروف تتبع في الكتاب أحاديث الزهري، ويسمى هذا الكتاب بالزهريات، فمحمد بن يحيى الزهري هو من أعلم الناس بحديث الزهري، ومن أعلم الناس بأصحابه، فالزهري جعله في الطبقة الأولى، كذلك أيضاً أن صاحبا الصحيح البخاري وكذلك الإمام مسلم قد رووا بعض الأحاديث عن ابن جريح عن الزهري، ومعلوم أن الصحيحين هما من أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، وكذلك أيضاً الواقع والحس يدل على هذا، فلم يذكر أن ابن جريح قد أخطأ في أحاديث عن الزهري بل حديثه مستقيم، فالراجح هو ما ذهب إليه محمد بن يحيى الزهري، والأقرب - والله أعلم - أن يحيى بن معين لا يقصد بذلك تضعيف حديث ابن جريح عن الزهري، وإنما عندما قال ليس بشيء أراد أن يبين أنه لم يسمع منه سماعاً، وإنما هو إجازة فقط، وإن كانت هذه الإجازة صحيحة لا غبار عليها, فابن جريح ما في شك أنه يعلم حديث الزهري، وأنه قد إستجاز الزهري بأن يحدث من كتبه المذكور فيها أحاديثه، فأجازة الزهري، فإذاً هذا لا يؤثر أبداً على حديث ابن جريح عن الزهري، فالأقرب هو ما ذهب إليه محمد بن يحيى الزهري أن ابن جريح هو في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، كذلك أيضاً كما ذكرت أنه اختلف في روايته عن عطاء الخراساني وبين يحيى بن سعيد لماذا تكلم فيه، فقال: هو لم يسمع من عطاء الخراساني وإنما إستجازه فقط فأجازه، وأيضاً يقال ابن جريح عن عطاء الخراساني، كما يقال في رواية ابن جريح عن الزهري، فالأقرب - والله أعلم - أن روايته عن عطاء صحيحة، وعطاء فيه كلام لكنه جيد الحديث، فالجمهور ذهبوا إلى توثيقه، كذلك أيضاً الزهري يعتبر كتابه أصح وأفضل من حفظه، فكما قال يحيى بن سعيد القطان: كنا نسمي كتب ابن جريح بكتب الأمانة، فكتاب بن جريح يعتبر أصح من حفظه وأفضل، فإذا حدث من كتابه يعتبر حديثه أصح، وذكر أنه - رحمه الله - كان إذا حدث بأحاديث المناسك؛ أي بأحاديث الحج حدث من كتابه، وكتابه أضبط من حفظه، وأيضاً يوشك على ابن جريح - رحمه الله - أنه يدلس، ووصفه بذلك الإمام أحمد، فقال: إذا قال ابن جريح قال فلان وقال فلان، أو قال أخبرت عن فلان، فهو ليس بشيء، وقال الدار قطني تجنب تدليس بن جريح؛ لأنه لا يدلس إلا عن الضعفاء، فالأصل فيه الضعف، فابن جريح موصوف بالتدليس، لكن - والله أعلم - على حسب الشروط التي ذكرناها فيما سبق، قد يصحح لابن جريح في العنعنه، على حسب الشروط التي ذكرناها فيما سبق، وإذا دلت الفوارق على استقامة المتن والسند، فالأقرب - والله أعلم - أن ابن جريح قد سمع هذا الحديث من هذا الشخص الذي روى عنه، وطبعاً يستثنى من هذا الوصف بالتدليس فيما رواه عن عطاء بن أبي رباح، وأيضاً فيما رواه عن عمرو بن دينار أو عن نافع، فهو مكثر عن هؤلاء، وبالذات عن عطاء، ومعلوم أن الشخص إذا كان مكثر عن شخص في الغالب لا يقع في حديثه تدليس عن هذا الشخص؛ لأن أغلب أحاديث هذا الشخص موجودة عنده، ولذلك ثبت عن ابن جريح بأنه قال: إذا قلت قال عطاء فهو مما سمعته من عطاء، فحتى مع وصفه بالتدليس لكن تستثنى روايته عن عطاء وروايته عن عمرو بن دينار، وروايته عن نافع؛ لأنه مكثر عن هؤلاء الثلاثة، فمعلوم أن الشخص إذا كان مكثر عن شخص ففي الغالب أنه لا يدلس، هذا ما يتعلق بابن جريح وحديثه. قبل أن نذكر تخريج حديث أم سلمة، نبين الاختلاف الذي وقع هذه الأسانيد. هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة كلاهما عن إسماعيل بن علية عن ابن جريح، عن ابن أبي ملكية، عن أم سلمة، وأخرجه أبو يعلا في كتابه المسند عن أبي خيثمة سهيل بن حرب عن ابن علية عن ابن جريح في هذا الإسناد، وكذلك أيضاً رواه الطبراني في الكبير، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة كلاهما عن ابن علية عن ابن جريح، فتلاحظون أن الإمام أحمد وأبي بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وكذلك أيضاً ذكر الترمذي بشر بن معاذ البصري، وكذلك أيضاً أبو خيثمة، كلهم رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن علية عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة، واختلف على علي بن حجر، ففي رواية عن علي بن حجر أنه رواه عن إسماعيل بن علية عن ابن جريح، ووافق في ذلك رواية الجماعة عن إسماعيل بن علية، وأيضاً رواه الترمذي عن إسماعيل بن علية عن أيوب، فهنا وقع خلاف في شيخ إسماعيل بن علية، فالترمذي - رحمه الله - يصحح رواية الجماعة عن إسماعيل بن علية؛ أي رواية من رواه عن إسماعيل بن علية عن إسماعيل بن جريح، عن ابن أبي ملكية، عن أم سلمة، وطبعاً هذا هو الأرجح وهذا هو الأصح؛ لأن الحفاظ قد اتفقوا منهم الإمام أحمد وابن أبي شيبة وعثمان وأبو خيثمة وبشر بن معاذ، كلهم اتفقوا على رواية هذا الحديث عن إسماعيل بن علية، إلا ما كان من رواية علي بن حجر فقد وقع فيه اختلاف ولا أدري هذا الاختلاف من الترمذي نفسه رحمه الله، أو من علي بن حجر، لكن كما قال أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - أن الصحيح رواية هذا الحديث عن إسماعيل بن علية عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة، طبعاً وبعض أهل العلم كالشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - ذهب إلى أن كلا الروايتين صحيحتين، طبعاً هذا فيه نظر، ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - فيه نظر واضح، وذكرنا فيما سبق أن منهج الإمام الشيخ أحمد شاكر فيما يتعلق بتعليل الأحاديث وفيما يتعلق بالشذوذ وما شابه ذلك من علم العلل، هو على مذهب المتأخرين، هو على مذهب الفقهاء، والصحيح هو ما ذهب إليه المتقدمين من أهل الحديث كالبخاري والإمام أحمد والترمذي، وغيرهم من كبار الحفاظ، وهو أنه على حسب القرائن وعلى حسب المرجحات، فتبين لنا من خلال القرائن أن رواية الجماعة هي الأصح، بدليل اتفاق هؤلاء الحفاظ بروايته عن إسماعيل بن عليه عن ابن جريح، هذا ما يتعلق بتخريج هذا الحديث وبالاختلاف الذي وقع في هذا الحديث. أما ما يتعلق بتصحيح هذا الحديث فتلاحظون أن أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - سكت على هذا الحديث، ولم يتكلم عليه لا بتصحيح ولا بتضعيف، فبعض الحفاظ ذهب إلى تصحيحه، وممن ذهب إلى تصحيحه ابن العربي المالكي صاحب عارضة الأحولي شرح الترمذي، ذهب إلى أن هذا الحديث صحيح، وقال سكت عنه أبو عيسى وهو عندي صحيح، وكذلك أيضاً صححه الكشميري كما نقل ذلك تلميذه المدومي، في كتابه معارف السنن، فقال: قال الشيخ يعني بذلك الكشميري أن هذا الحديث يعتبر حديث صحيح، وأن رجاله كلهم ثقات، وطبعاً هذا التصحيح فيه نظر، لأنه لا يعلم لابن أبي ملكية سماع من أم سلمة، فلم ينص أحد من الحفاظ أن ابن أبي مليكة قد سمع من أم سلمة، ولم يصرح في هذا الحديث من أم سلمة، كذلك أيضاً تتبعت بعض أحاديثه فوجدت أنه دائماً يعنعن ولا يصرح بالتحديث عن أم سلمة، بل أن أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - روى حديثاً عن ابن أبي مليكة، ثم قال بأن هذا الحديث ليس بمتصل، قال لأن الليث بن سعد قد رواه عن فيما أظن ابن جريح عن ابن أبي مليكة، عن يعلا بن نمله عن أم سلمة، فذكر واسطة بين ابن أبي مليكة وبين أم سلمه وهو يعلا، فلم يثبت أن ابن أبي ملكية قد سمع من أم سلمه، ونحن على مذهب المتقدمين في هذا بأنه لا بد بأن يثبت السماع، ولو مرة واحدة, حتى تحمل هذه الأحاديث على السماع والاتصال، ما في شك أن ابن أبي ملكية قد أدرك أم سلمة كثيراً، وذكر الذهبي - رحمه الله - أن ابن أبي مليكة ولد في خلافة علي أو قبلها، ومعلوم أن علي - رحمه الله - تولى الخلافة في عام 35هـ، وتوفي في عام 40هـ، وأم سلمة توفيت في عام 62هـ، فتقدير هذا أقل شيء عشرين سنة، لكن الإدراك لا يفيد السماع، وكما ذكرت قد تتبعت حديثه فوجدت بأنه لا يصرح بالتحديث عن أم سلمة، على قلة حديثه أيضاً عن أم سلمة، فهذا الحديث يحتمل أنه منقطع ولم يثبت اتصاله، هذا فيما يتعلق بتصحيح هذا الحديث، أما ما يتعلق بفقه هذا الحديث فأبو عيسى - رحمه الله - ورد عليه باب ما جاء في تأخير صلاة العصر، وهذا الحديث عند التحقيق ليس بصحيحاً على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخر العصر، على فرض أن هذا الحديث ثابت، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤخر العصر، وإنما فيه أن الصحابة كانوا أشد تعجيلاً لصلاة العصر من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والأقرب - والله أعلم - أن هذا الحديث فيه ضعف بين الأحاديث المشهورة الصحيحة التي تفيد بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي العصر أول وقتها، وكان لا يؤخرها، بحيث أن كما قال أنس بن مالك: كنت أصلي مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم أخرج إلى عوام المدينة فأجد أنهم إلى الآن لم يصلوا صلاة العصر، فالصحابة كانوا يؤخرون صلاة العصر بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فالأقرب هو تضعيف هذا الحديث من جهة المتن أيضاً على أنه ليس صريحاً في الدلالة على ذلك، على تأخير العصر، وكما ذكرنا أن الغالب على هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو تقديم العصر في أو وقتها، وأن هذا هو مذهب الجمهور، ولا يخالف ذلك إلا ما كان من أبي حنيفة النعمان - رحمه الله - تعالى، وذكرنا فيما سبق بعض أدلة أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى .

القارئ: (باب ما جاء في وقت المغرب:حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب‏.‏ قال وفي الباب عن جابر والصنابحي وزيد بن خالد وأنس ورافع بن خديج وأبي أيوب وأم حبيبة وعباس بن عبد المطلب وابن عباس ‏.‏ وحديث العباس قد روي موقوفا عنه وهو أصح‏.‏ والصنابحي لم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صاحب أبي بكر رضي الله عنه‏.‏ قال أبو عيسى حديث سلمة بن الأكوع حديث حسن صحيح‏.‏ وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم من التابعين اختاروا تعجيل صلاة المغرب وكرهوا تأخيرها حتى قال بعض أهل العلم ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد وذهبوا إلى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث صلى به جبريل.‏ وهو قول ابن المبارك والشافعي).‏

الشيخ: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا قتبية، وهو ابن سعيد ابن جرير ابن طريف، أبو رجاء الثقفي، وهو ثقة ثبت مكثر من الحديث، توفي في عام 240هـ، وهو من الطبقة العاشرة. قال حدثنا حاتم بن إسماعيل، هو المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاه، وحاتم هذا من الطبقة الثامنة وتوفي عام 187هـ، أو 186هـ، وقد أخرج له الجماعة، الشيخان وبقية أصحاب السنن، وحاتم بن إسماعيل وقع فيه اختلاف فذهب كثير من الحفاظ إلى توثيقه، فنص يحيى بن معين، وكذلك أيضاً العجلي وابن حبان وابن سعد على توثيقه، وقال الإمام أحمد هو أحب إلي من الدراوغزي والدراوغزي، معروف أنه جيد الحديث، وقال هو أحب إلي منه، وقال أبو حاتم الرازي هو أحب إلي من سعيد بن سالم القزاح, وقال النسائي ليس به بأس، وفي رواية عن النسائي أنه ليس بالقوي، والأقرب - والله أعلم - أن حاتم بن إسماعيل أنه يعتبر ثقة؛ لأن الجمهور ذهبوا إلى توثيقه وكذلك أيضاً أن الإمام أحمد وغيره رجحه على الدراوغزي، والدراوغزي, جيد الحديث ومع ذلك رجحه عليه، ورجحه أبو حاتم الرازي على سعيد بن سالم القداح، وسعيد بن سالم صدوق حسن الحديث، وقد احتج به الشيخان أيضاً وبقية أصحاب السنن، فالراجح في حاتم أنه ثقة، إلا إذا كان شيخه جعفر بن محمد بن علي الباقر, فعلي بن المديني تكلم عن جعفر بن محمد بن علي الباقر، وقال أن إسماعيل أسند أحاديث عن جعفر بن محمد وهي مراسيل، فتكلم في روايته عن جعفر بن محمد، فحديثه عن جعفر بن محمد الأصل فيه أنه ثابت حتى يتبين أنه قد أخطأ وقد وصل هذا الحديث وهو مرسل، وقد روى الإمام مسلم في كتابه الصحيح من طريقه حديث جابر الطويل في صفة الحج، رواه الإمام مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد الباقر، عن أبيه عن جابر بن عبد الله، فالإمام مسلم أيضاً احتج به في روايته عن جعفر بن محمد فإذا تبين بالدليل أنه قد أخطأ وقد خالف، وأن الراجح في هذا الحديث هو الإرسال وليس الاتصال، فهنا يقال أنه أخطأ، أما إذا ما تبين شيء من ذلك فالأصل على حديثه الاستقامة، وكذلك أيضاً إذا حدث من كتابه، إذا حدث حاتم بن إسماعيل من كتابه فيعتبر حديثه صحيح، فقد نص الإمام أحمد على أن كتابه صالح، فكتابه أضبط من حفظه، فالنسبة لحفظه إذا كان شيخه جعفر بن محمد، وكان الراوي عنه غير جعفر بن محمد يكون فوق روايته عن جعفر بن محمد، هذا فيما يتعلق في حاتم بن إسماعيل. قال عن يزيد بن أبي عبيد، هو الأسهمي مولى سلمه بن الأكوع، يزيد بن عبيد المدني الأسهمي مولى سلمة بن الأكوع، ويزيد بن أبي عبيد متفق على توثيقه، وقد أخرج له الشيخان وبقية أصحاب السنن، وهو من الطبقة الرابعة، وتوفي في عام 146هـ، أو عام 147هـ. وسلمه بن الأكوع هو الأسلمي صحابي جليل،قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. طبعاً فيما يتعلق الكلام على إسناد هذا الحديث فإسناده إسناد صحيح؛ لأن جميع رجاله ثقات، وأما متنه فهو أيضاً متن صحيح مستقيم، فهذا الحديث يعتبر حديث صحيح متناً وإسناداً، فلذلك الشيخان قد اتفقا على رواية هذا الحديث، البخاري ومسلم في صحيحيهما وكذلك أيضاً رواه أبو عوانة وأبو داوود والإمام أحمد وعبد بن حميد في كتابه المنتخب من المسند، والدارمي وابن حبان في كتابه الصحيح وابن المنذر في كتابه الأوسط، والبيهقي في السنن الكبرى، والبرزي في شرح السنة، كلهم من طريق يزيد بن أبي عبيد، هذا ما يتعلق في تخريج هذا الحديث والكلام على إسناد هذا الحديث. أما ما يتعلق بفقه هذا الحديث فبالنسبة لصلاة المغرب اتفق أهل العلم على أن صلاة المغرب يبدأ وقتها من حين مغيب الشمس، إذا غابت الشمس هنا يبدأ وقت صلاة المغرب بالدخول، ويعتبر وقت صلاة المغرب قد دخل بمغيب الشمس، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم، وكذلك أيضاً اتفقوا على استحباب تعجيل المغرب، وإنما الخلاف الذي وقع هو في نهاية وقت المغرب، فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن وقت المغرب يمتد إلى مجرد أداء هذه الصلاة فقط؛ يعني من حين مغيب الشمس ويتوضأ الإنسان وتقام الصلاة وتصلى هذه الصلاة، يعتبر وقت المغرب قد انتهى، وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك والشافعي، في المشهور عنهما أو في رواية عنهما. وذهب الجمهور كالإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر وغيرهم إلى أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال وقت المغرب من حين مغيب الشمس إلى مغيب الشفق، فقالوا إذاً وقت المغرب إلى مغيب الشفق، كذلك أيضاً استدلوا بحديث أبي قتادة الذي رواه مسلم في صحيحه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: { ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصلي حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى}، ومعلوم أن بعد المغرب صلاة العشاء، وأن وقت العشاء يبدأ من حين مغيب الشفق، فإذاً وقت المغرب يمتد من مغيب الشمس إلى حين مغيب الشفق، فهذا دليل الجمهور الذين ذهبوا إلى امتداد وقت المغرب إلى هذا الوقت، ولماذا الأحاديث جاءت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه حث على عدم تأخير صلاة المغرب إلى حين اشتباك النجوم، فتختلط الظلمة، الحديث رواه العباس بن عبد المطلب، وكذلك أيضاً رواه سعد بن يزيد، وكذلك أيضاً رواه غيرهم أن -الرسول صلى الله عليه وسلم- قال: { لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم} والمقصود باشتباك النجوم أي ظهور النجوم واختلاط بعضها بالبعض الآخر، وهذا كناية عن اشتداد الظلام، ومعلوم أن الظلام يشتد قبل مغيب الشفق، فهنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: { ما تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم} فهذا الحديث يفيد بأنه ينبغي عدم تأخير المغرب إلى قبيل صلاة العشاء، ولعل القول بهذا القول هو الأرجح؛ لأن هذا القول فيه جمع بين الأدلة وفيه تفصيل، فيقال أنه لا ينبغي تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم، صحيح أن الأحاديث دلت على أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، لكن أيضاً دل حديث العباس بن عبد الله المطلب، وسعد بن يزيد وغيرهم أنه لا ينبغي تأخير المغرب إلى قبيل صلاة العشاء، فالراجح هو هذا القول والله أعلم، وكما ذكرت بعد أن اتفقوا أن المغرب يستحب أن تؤدى في أول وقتها، ثم قال أبو عيسى فهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم من التابعين، اختاروا تعجيل صلاة المغرب وكرهوا تأخيرها، حتى قال بعض أهل العلم ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد، وذهبوا إلى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث صلى به جبريل حين أفطر الصائم، يقصد بحديث جبريل أن جبريل صلى بالرسول -عليه الصلاة والسلام- عندما أفطر الصائم، وهذا كناية عن تعجيل الصلاة في أول وقتها، هذا - والله أعلم - وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

جميع الشمس يعني لا يبقى من قرص الشمس، فإذا توارت الشمس وغابت فهنا يدخل وقت صلاة المغرب, وإن كان هناك حمره إذا غابت الشمس ولا ترى شيء تعتبر الشمس غائبة، اللهم إذا كان هناك شيء يمنعك فلا بد أن تتأكد من مغيب الشمس .

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو عيسى رحمه الله: باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء والسمر بعدها:

 حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، أخبرنا عوف، قال أحمد وحدثنا عباد بن عباد، هو المهلبي وإسماعيل ابن علية جميعا عن عوف، عن سيار بن سلامة، هو أبو المنهال الرياحي عن أبي برزة، قال كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها‏.‏

قال وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن مسعود وأنس‏.‏ قال أبو عيسى حديث أبي برزة حديث حسن صحيح‏.‏ وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ورخص في ذلك بعضهم‏.‏ وقال عبد الله بن المبارك أكثر الأحاديث على الكراهية‏.‏ ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان‏.‏ وسيار بن سلامة هو أبو المنهال الرياحي‏.‏ 

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:

فقال أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - تعالى: حدثنا أحمد بن منيع، هو ابن عبد الرحمن البروي أبو القاسم الأصم، وأحمد بن منيع هذا من كبار الحفاظ من الطبقة العاشرة، وتوفي في عام 244هـ، عن أربع وثمانين سنة، وقد أخرج له الجماعة. قال حدثنا هشيم، هو ابن بشير ابن القاسم بن دينار الواسطي، أبو معاوية، وهشيم غني عن التعريف وهو ثقة حافظ مكثر من الحديث، وهو من الطبقة الثامنة، وتوفي في عام 183هـ، وقد أخرج له الجماعة، وهشيم كما ذكرت متفق على حفظه، ومتفق على إتقانه، إلا في روايته عن الزهري فهي ضعيفة ولا يحتج بها، إذا روى عن الزهري فهو يكون ضعيفاً ولا يحتج بروايته عن الزهري؛ لأنه - رحمه الله - ضاع كتابه عن الزهري، التقى بالزهري وكتب عنه بعض الأحاديث، ثم بعد ذلك أخذ شعبة بن حجاج هذا الكتاب ومزقة، فلذلك أصحبت روايته عن الزهري ضعيفة وليست بصحيحة، وأما باقي حديثه فلا شك أنه مستقيم وفي الدرجة العليا من الصحة، وهشيم بن بشير موصوف بنوعين من التدليس: بتدليس الإسناد، وبتدليس العطف. تدليس الإسناد معروف، أما تدليس العطف: فهو بأن يقول حدثنا فلان وفلان، فيكون قد سمع من الأول ولم يسمع من الثاني، فنقل أن هشيم فعل هذا الشيء، لكن المعروف عند أهل العلم أن هشيم تدليسه من القسم الأول الذي لا يضر، ذكرنا في القسم الأول أن التدليس نوعان: نوع ضار، ونوع ليس بضار، فهشيم من القسم الذي ليس بضار؛ لأنه مقل من التدليس - رحمه الله - وليس بالمكثر من التدليس، وبالذات تدليس العطف ما كان يفعله إلا نادراً وفعله من باب الطرافة، من باب النكتة على أصحابه، فالخلاصة أن تدليسه من القسم الذي ليس بضار، وكما ذكرت أن هذا هو المشهور عند أهل العلم وهذا هو مذهب المتقدمين في هشيم. قال أخبرنا عوف، هو ابن أبي جميلة الأعرابي العبدي الهجري، أو السهلي البصري، المعروف بالأعرابي، وعوف هذا الراجح أنه ثقة حافظ وهو من الطبقة السادسة وتوفي في عام 147هـ، أو 146هـ، والجمهور على توثيقه فوثقه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وزاد النسائي ثبت، وقال محمد بن عبد الله الأنصاري كان من أثبتهم، أو كان أثبتهم جميعاً؛ أي عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وقال أبو حاتم صدوق صالح، وذكرنا فيما سبق أن قول أبي حاتم عن رجل بأنه صدوق تساوي الثقة، بل تساوي أكثر من الثقة عند غيره، وذكرنا فيما سبق أن أبا حاتم - رحمه الله - شديد التزكية، بحيث أنه قال عن كبار الحفاظ بأنهم صدوقين، قال عن الإمام الشافعي وقال عن الإمام مسلم وقال عن أبي حفص الفلاس، وقال أيضاً عن عبد الله بن وهب، كلهم قال عنهم صدوق صدوق، وهؤلاء ما في شك أنهم من كبار الحفاظ، حتى أنه قال عن عبد الرزاق صاحب المصنف بأنه لا يحتج به، فما شك أن أبا حاتم - رحمه الله - متشدد، وهنا قال عن هذا الرجل صدوق، وتساوي ثقة أو أكثر عند غيره، ولم يتكلم فيه أحد من ناحية ضبطه وإتقانه، وإن كان هناك من تكلم فيما يتعلق بضبطه نوعاً ما لكن أكثر من تكلم فيه إنما تكلم فيه لبدعته، فكان موصوف بنوعين من البدع، كان موصوف بالقدر وبالتشيع، فلذلك اختلف فيه من أجل هذا، وأورده العقيلي - رحمه الله - في كتابه الضعفاء من أجل هذا الشيء، وعندما أورده لم يتكلم في حفظه، ولم يتكلم في إتقانه، وإنما ذكر أنه كان شيعياً وكان قدرياً، والعقيلي - رحمه الله - في كتابه الضعفاء لا يلزم في الذين يوردهم في كتابه الضعفاء أنهم ضعفاء عند العقيلي، فيورد أيضاً العقيلي في هذا الكتاب من وصف ببدعة واشتهرت عنه هذه البدعة، حتى أنه أورد علي بن المديني - رحمه الله - في كتابه الضعفاء، وما في شك أن العقيلي لا يقصد تضعيف علي بن المديني، بل أثنى على حفظه عندما أورده في هذا الكتاب، وقال هو حديثه مستقيم، لكن تلكم في بدعته، وطبعاً ما في شك أن علي بن المديني ما أجاب في مسألة خلق القرآن إلا خفية، ولذلك تكلم فيه بعض أصحاب الحديث، فالعقيلي ذكره وذكر من تكلم فيه فيما يتعلق بالبدعة التي نقلت عنه، وكما ذكرنا ما قال هذا إلا خفية، وأثنى على حديثه وقال أن حديثه مستقيم، وذكرنا فيما سبق أن الحافظ الذهبي - رحمه الله - أخطأ على العقيلي عندما أعتقد أن العقيلي ضعف الذهبي، فقال قولته المشهورة[ مالت عقل ابن عقيلي] ثم أخذ يثني على علي بن المديني، فالعقيلي - رحمه الله - أجل من أن يضعف علي بن المديني، وما في شك أن علي بن المديني من كبار الحفاظ، فالعقيلي ما أورده إلا فيما يتعلق بهذه البدعة، وهناك كثير قبل العقيلي ممن تكلم على علي بن المديني في هذه البدعة، فكان على رأس المتكلمين فيه الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً إبراهيم الحربي، حتى أن إبراهيم الحربي امتنع من الرواية عنه، وكل هذا فيما يتعلق بمتابعته لابن أبي دؤاد، أما ما يتعلق بحفظه وبإتقانه فهذا محل إتفاق، ولا يخفى هذا على العقيلي، فالحافظ الذهبي - رحمه الله - أخطأ من هذه الناحية، فالخلاصة أن العقيلي أورد حارث بن جميع الأرادي من أجل هذه البدعة التي وصف بها، وذكره الحافظ ابن رجب في كتابه شرح العلل، في ذكر من ضعف حديثه إذا جمع الشيوخ دون إذا ما أخرجهم، ثم ذكر قول ابن المديني  أنه قال: سمعت يحيى وهو ابن سعيد القطان، قال: قال لي شعبة في أحاديث عوف عن خلاس عن أبي هريرة، ومحمد عن أبي هريرة، خلاس بن عمرو، ومحمد ابن سيرين كلاهما عن أبي هريرة، إذا جمعهم قال لي شعبة ترى لفظهم واحد، قال الحافظ بن رجب: قلت هذا الإنصاف من شعبة فيه لين؛ طبعاً أورد الحافظ بن رجب هذا الشيء من أجل قول شعبة هذا، فشعبة - رحمه الله - ينكر على عوف بن أبي جميلة الأعرابي جمعه لجماعة من الشيوخ، ولا يميز بين حديث هذا من هذا، والجمع بين الشيوخ هذا مشهور عند أهل العلم، وكان ممن يفعل هذا الشيء الزهري رحمه الله، فكان يروي الحديث عن جماعة من شيوخه، كلهم عن واحد، عن صحابي مثلاً، أو عن تابعي عن هذا الصحابي، ثم يجمع بين حديث هؤلاء, ولا يميز ويسوق هذا الحديث مساقاً واحداً، وما في شك أن الزهري كان متقن لأحاديث هؤلاء، لكن كان يتساهل نوعاً ما في إيراد حديث هؤلاء مجتمعاً، فكان عوف بن أبي جميلة الأعرابي مرات يفعل هذا الشيء، وكذلك أيضاً كان ممن يفعل هذا ابن إسحاق، وكذلك أيضاً حماد بن سلمة وغيرهم, وهذا مشروع عند أهل الحديث فلذلك بعض أصحاب الحديث تكلم في الشخص الذي يجمع بين رواية جماعة من شيوخه ولا يميز بين رواية هذا من هذا، فتكلم في حماد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق من أجل هذا، كذلك أيضاً ابن شعبة تكلم في عوف من أجل هذا الشيء، طبعاً والجواب عن هذا أن هذا الإنكار من شعبة فيه لين واضح، وهذا كما ذكرت قد فعله كثير من الرواة، وعلى رأسهم الزهري، ثم أن حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي في البخاري، الجمع بين الشيوخ في صحيح البخاري، فروى البخاري حديثان من أحاديث عوف الأعرابي، وقد جمع في حديثيه هاذين بين خلاس، وبين محمد بن سيرين.  

 

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ الشيخ المحدث عبدالله بن عبدالرحمن السعد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alssad.com . All rights reserved

www.alssad.com