السؤال: ما حكم سماع الموسيقى والمعازف؟
الجواب: إن الأدلة على تحريم ذلك كثيرة، أكتفي بدليلٍ واحدٍ صحيحٍ صريح فيها، فيه كفاية للمكتفي، وغُنية لطالب الحق، وقناعة للمتجرد، ولا تغني كثرة الأدلة المجادلَ بالباطل، المتعامي عن الحق، المتغافلَ عن الصواب؛ شيئاً.
فقد أخرج البخاري في صحيحه (5590) قال: قال هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا عطية بن قيس الكلابي ثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر -أو أبو مالك- الأشعري، والله ما كذبني: سمع النبي r يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف).
قال ابن القيم: (ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالاً لما ذمهم على استحلالها، ولما قَرَن استحلالها باستحلال الخمر)، والفرج المُحرّم، والحرير.
والحديث صحيحٌ متصلٌ، ولم يوفق للصواب من تكلم في انقطاعه؛ لوجوه:
الأول: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا قال: (قال هشام) فهو بمنزلة قوله: (عن هشام).
الثاني: أنه لو لم يسمع منه، فهو لم يستجز الجزم به عنه، إلا وقد صحّ عنه أنه حدّث به، وهذا كثيراً ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته، فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس.
الثالث: أنه أدخله في كتابه الصحيح مُحتجاً به، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل.
الرابع: أنه علّقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض، فإنه إذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه؛ يقول: (ويُروى عن رسول الله) و(يُذكر عنه) ونحو ذلك، فإذا قال: (قال رسول الله) فقد جزم وقطع بإضافته إليه.
الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحاً، فالحديث صحيح متصل عند غيره بأسانيد متعددة:
فقد رواه جمع عن هشام بن عمار موصولاً، وقد توبع هشام وكذا شيخه صدقة بن خالد؛ فقد أخرج أبو بكر الإسماعيلي ومن طريقه البيهقي في الكبرى (3/272) قال: أخبرني الحسن عن عبد الرحمن بن إبراهيم عن بشر بن بكر عن ابن جابر به.
وهذا إسناد صحيح؛ وقد جاء من وجه آخر عن بشر بن بكر به.
بل جاء بنحوه من وجه آخر عن عبدالرحمن بن غنم به.
وتوبع ابن غنم فقال البخاري في التاريخ الكبير (1/304): قال لي سليمان بن عبد الرحمن قال: حدثنا الجراح بن مليح الحمصي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية عمن أخبره عن أبي مالك الأشعري أو أبي عامر سمعت النبي r في الخمر والمعازف ().
هذا والله تعالى أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين.
([1]) إغاثة اللهفان (1/260) ط.الفقي، وينظر: تهذيب السنن ( ).
([2]) ينظر: إغاثة اللهفان (1/260) بتصرف.
|