|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد :
فهذا هو الأثر الثاني من آثار شيخنا الشيخ / أبي عبد الرحمن عبدالله بن عبدالرحمن السعد ، وهو بعنوان « الحج أحكامه وصفته » () .
وأصل هذا الكتاب محاضرة ألقاها فضيلة شيخنا قبل عدة سنوات بعنوان « الحج رواية ودراية » ألقيت في سنة (1413) تقريبا ، وكان المقصود من المحاضرة ذكر صفة الحج باختصار دون التوسع في الكلام على المسائل والأحكام الأخرى المتعلقة بالحج ، وقد تم تفريغ هذه المحاضرة ، وإعدادها للنشر مع توثيق ما فيها من نقول , وأضيف إليها جملة من المسائل والأحكام من شرح قديم لفضيلة الشيخ على كتاب « بلوغ المرام » للحافظ ابن حجر ، ألقي في سنة ( 1411 ) تقريباً .
ثم بعد ذلك عُرض الكتاب على فضيلة الشيخ فقام بمراجعته وتعديل ما يحتاج إلى تعديل مع إضافات كثيرة ، وقدّم له بمقدمة مهمة في التنبيه على أهمية التوحيد والتحذير من الشرك وصوره ووسائله .
وخروج هذا الأثر إنما كان بفضل الله جل وعلا أولا وأخيرا ، ثم بالتعاون المثمر بين الإخوة في المكتب العلمي بـ«دار المحدِّث» , وأخص منهم أخي الشيخ / سامي بن جادالله ، والإخوة القائمين على «ملتقى أهل الحديث» وأخص منهم أخي الشيخ / عبدالرحمن الفقيه ، وأخي الشيخ / خليل بن محمد ، فجزى الله خيرًا كل من ساهم في خروج هذا العمل ، والشكر والدعاء موصول للإخوة المشايخ / عبد الرحمن الزغيبي , وعادل الزرقي , وعبدالله الدهيشي , وعبدالرحيم الشهري , ووائل النايل , وكلهم من طلبة الشيخ وتلاميذه وفقهم الله جميعا لما يحبه ويرضاه .
وأخيراً نسأل الله عز وجل أن ينفع بهذا العمل ، وأن يوفق لإخراج بقية آثار شيخنا الفاضل ، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته ، والله ولي التوفيق .
د . علي بن عبد الله الصياح
16/11/1426
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :
ثبت في « الصحيحين » من حديث حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ : « بني الإسلام على خمس ، شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان » () .
دل هذا الحديث على أن الإسلام مبني على خمسة أركان , أولها وأعظمها هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .
وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد , ومعناها : لا معبود بحق إلا الله .
وتوحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة ، وإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من نعوت الجلال وصفات الكمال ، ومحبة أوليائه ومعادات أعدائه والبراءة منهم ومن أفعالهم ؛ هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه ؛ قال الله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [ آل عمران : 85 ] .
وقد بعث الله تعالى بذلك أنبياءه ؛ قال الله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [ النحل : 36 ] .
وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } [ الأنبياء : 25 ] .
وقال تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } [ البقرة : 21 ]
ولذلك كان كل رسول يقول لقومه : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ، كما قال تعالى عن نوح عليه السلام : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره } [ الأعراف : 59 ] ، إلى آخرهم وهو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام فقال : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله } [ الأعراف : 158 ] .
فعلى هذا لا بد من تعلم التوحيد والعمل به ، ومعرفة ما يضاده وتركه والبراءة منه ؛ حتى يقوم الإنسان بدين الإسلام الذي كلفه الله تعالى به .
وقد قال الله تعالى لأفضل الرسل وخاتمهم وسيد ولد آدم نبينا محمد ﷺ : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك للمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } [ محمد : 19 ] .
وهذه الآية الكريمة ينبغي لكل مسلم أن يقف عندها ويتدبرها ؛ فإذا كان الرسول ﷺ وهو من هو يأمره ربه عز وجل بالعلم بأن لا إله إلا الله إذن ما بالك بغيره ؟!
ومن المعلوم أن هذه الآية ليست هي أول ما نزل ، بل سبقتها آيات وسور قبلها ؛ لأن «سورة محمد ﷺ» التي فيها هذه الآية مدنية ، والآيات التي سبقتها فيها الإعلام بأنه لا إله إلا الله تعالى , وفيها الأمر لرسوله ﷺ أن يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له , وبقي على هذا مدة طويلة , ومع ذلك كله يقول له تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } .
وقد أمر ربنا عز وجل نبيه ﷺ في آيات كثيرة بتوحيد الله عز وجل ؛ قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } [ الأنعام : 162 ، 163 ] .
وقال تعالى : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين . وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل الله أعبد مخلصا له ديني } [ الزمر : 11 ـ 14 ] .
وقال تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر . فصل لربك وانحر } [ الكوثر : 1 ، 2 ] .
وقال تعالى : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] .
إلى غير ذلك من النصوص التي فيها الأمر للرسول ﷺ بتوحيد الله تعالى وعبادته .
وقال تعالى محذرا نبيه ﷺ والأنبياء صلى الله عليهم وسلم من قبله من الوقوع في الشرك - مع أن الله تعالى قد عصمه وإخوانه الأنبياء من الوقوع في ذلك - : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين . بل الله فاعبد وكن من الشاكرين }[ الزمر : 65 ، 66 ] .
قال أبو جعفر ابن جرير في « تفسيره » ( 24 /24 ) عند تفسير هذه الآية : ( يقول تعالى ذكره : ولقد أوحى إليك ـ يامحمد ـ ربك وإلى الذين من قبلك من الرسل { لئن أشركت ليحبطن عملك } يقول : لئن أشركت بالله شيئا يا محمد ليبطلن عملك ولا تنال به ثوابا ً ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله .. { وإلى الذين من قبلك } من الرسل من ذلك مثل الذي أوحي إليك منه ؛ فاحذر أن تشرك بالله شيئاً فتهلك ) اهـ .
وقد خاف خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام أن يقع في الشرك ؛ قال الله تعالى عنه : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [ إبراهيم : 35 ، 36 ] .
مع أن إبراهيم عليه السلام هو الذي كسّر الأصنام بيده ، وهو الذي أراد أن يذبح ابنه طاعة لربه ، ومع ذلك خاف أن يقع في عبادة الأصنام ، فكيف بغيره ؟ ولذلك قال مغيرة ـ وهو ابن مقسم الضبي ـ : كان إبراهيم التيمي يقص ويقول في قصصه : من يأمن البلاء بعد خليل الله إبراهيم ؟!
وقد خاف نبينا محمد ﷺ على أمته الوقوع في الشرك وحذّرهم منه ؛ قال الإمام أحمد في « مسنده » ( 4/403 ) وابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 10/37 ) : ثنا ابن نمير ثنا عبد الملك ـ يعني ابن أبي سليمان ـ العرزمي عن أبي علي ـ رجل من بني كاهل ـ قال : خطبنا أبو موسى الأشعري فقال : يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل . فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا : والله لتخرجن مما قلت ، أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون . قال : بل أخرج مما قلت ، خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال : « أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل » . فقال له من شاء الله أن يقول : وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ فقال : قولوا : « اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك به شيئاً نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلم » وهذا سياق أحمد () .
وخاف عليه الصلاة والسلام على أمته أيضاً شرك السرائر وحذّر أمته من ذلك :
فأخرج أحمد ( 5/428 ، 429 ) وأبو محمد الضراب في « ذم الرياء » ( 31 ) والبيهقي في « الشعب » ( 6412 ) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال : « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ قال : « الرياء ؛ إن الله تبارك وتعالى يقول يوم يجازي العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً » وإسناده جيد () .
وما خافه ﷺ على أمته وحذّرهم منه يجب عليهم أن يحذروا منه ويخافوا من الوقوع فيه ؛ وذلك بتعلّم التوحيد ومعرفة ما يضاده والعمل بذلك .
وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من أمته من سيقع في الشرك ويعبد الأوثان ؛ أخرج أحمد ( 5/278 ، 284 ) وأبو داود ( 4252 ) وابن ماجه ( 3952 ) والحاكم ( 4/449 ) وأبو نعيم في « دلائل النبوة » ( ص : 469 ) وفي « الحلية » ( 2/289 ) والبيهقي ( 9/181 ) من طرق عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال : قال رسول الله ﷺ : « زُويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ... ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ... » () .
وقال البخاري في « صحيحه » (7166) في كتاب الفتن :
باب تغيّر الزمان حتى تعبد الأوثان
ثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال : قال سعيد بن المسيب : أخبرني أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : « لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة » () .
وذو الخلصة : طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية .
وقد بوّب عليه ابن حبان بقوله : ذكر الأخبار عن ظهور أمارات أهل الجاهلية في المسلمين .
وقد وقع بعض الصحابة ـ وبعضهم كان حديث عهد بالإسلام ـ في شيء من الشرك ، وعند ما بيّن لهم رسول الله ﷺ أن هذا من الشرك رجعوا .
كما جاء من طريق محمد بن شهاب الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين فمررنا بالسدرة فقلنا : أي رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط ـ وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها ـ قال النبي ﷺ : ( الله أكبر ! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } [ الأعراف : 138 ] إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم ) () .
وجاء من حديث عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل أخي عائشة قال : قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين : نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد . فسمع النبي ﷺ فقال : ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا : ما شاء الله ثم شاء محمد ) () .
وأخرج البخاري ( 6646 ) من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يسير في ركب يحلف بأبيه ؛ فقال : ( ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ) .
وفي طريق آخر عنده ( 6647 ) من حديث سالم عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول : « فو الله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً » ، وأخرج الحديث مسلم ( 1646 ) ، وفي الباب أحاديث أخرى .
فإذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم مع علوّ مكانتهم ورفيع درجتهم ووفور علمهم قد وقع منهم شيء من الشرك ، إذن فكيف بغيرهم ؟!
فالواجب على كل مسلم الاعتناء بهذا الأمر غاية الاعتناء كيف لا والشرك بالله تعالى أكبر الذنوب وأعظمها وأشدها خطراً على دين المرء ؟! قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به . ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ، وقال تعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } .
وفي «الصحيحين» () من طريق أبي وائل عن عمر بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله قال : « أن تجعل لله ندا وهو خلقك .. » الحديث .
وهو من أكثر الذنوب انتشاراً ، قال تعالى : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } .
والشرك أبوابه كثيرة وصوره عديدة أخرج عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه « السنة » () من طريق مسروق وعبد الرحمن بن يزيد كلاهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : الربا بضع وسبعون باباً ، والشرك نحو ذلك .
ويكون العلم بالتوحيد ومعرفته والحذر من الشرك وتركه بتدبر كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ ، ثم بمطالعة ما كتبه أهل العلم في ذلك .
* * *
وهذه أمثلة من صور الشرك :
أولا : دعاء غير الله تعالى .
مع الأسف الشديد أن كثيرا من الناس في حالة الشدة والضيق يلجأون إلى غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله , فيلجأون إلى المخلوقين في تفريج كربتهم وإزالة مصيبتهم , وهذا – والعياذ بالله - من الشرك الأكبر .
قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ [الأحقاف:5].
وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المؤمنون:117] .
وقال تعالى : ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ﴾ [الرعد:14] .
أمر الله تعالى لخلقه بدعائه :
قال تعالى : ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾[لأعراف:29] .
وقال تعالى : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين ﴾ [ الأعراف: 55- 56 ] .
وقال تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [لأعراف:180] .
وقال تعالى : ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:110] .
وقال تعالى : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:62] .
وقال تعالى : ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:14] .
وقال تعالى : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60] .
ووعد الله تعالى من دعاه بأنه يستجيب له ، وأخبر سبحانه أنه قريب من عباده ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186] .
وقال تعالى : ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [النساء: 32] .
دعاء الأنبياء والرسل والملائكة والصالحين لله :
وكان الأنبياء والرسل وأولهم نبينا محمد ﷺ يلجأون إلى الله تعالى في حالة الشدة .
قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾ [ الإسراء:80 ] .
وقال أيضًا : ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ [ طـه:114 ] .
وقال له أيضًا : ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ [ المؤمنون: 97- 98 ] .
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [ الفلق:1- 5 ] .
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ [الناس:1- 6 ].
وقال تعالى عن آدم عليه السلام وزوجه : ﴿ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [لأعراف:23] .
وقد استجاب الله تعالى لهما – فقال عز وجل : ﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [ طـه:122] .
وقال عن نوح عليه السلام : ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [لأعراف:151] .
قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم:35] .
قال تعالى : ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [ البقرة:127- 128] .
وقال أيضًا : ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ [ الشعراء 83–87 ] .
وقال عن موسى عليه السلام : ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [لأعراف:151] .
وقال أيضًا : ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّر لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾ [ طه : 25- 36 ] .
وقال أيضًا : ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:16] .
وقال عز وجل مخبرًا عن الملائكة في دعائها لربها تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [غافر:7- 8 ] .
وكذلك أهل الإيمان والصلاح يلجأون إلى الله ويدعونه في غفران ذنوبهم وتفريج كروبهم وقضاء حاجاتهم كما قال الله تعالى عنهم : ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [ البقرة:285- 286 ] .
وقال تعالى : ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [ آل عمران:9 ] .
وقال تعالى : ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [ آل عمران:195] .
وقال تعالى : ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ [ الكهف:10] .
وقال تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [ المؤمنون:109] .
وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ [ الفرقان:65] .
وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ [ الفرقان:74 ] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة .
بل هذا ما علمناه إياه ربنا عز وجل أن ندعوه وحده لا شريك له وبين لنا ذلك في كتابه فقال في أعظم سورة في القرآن الكريم وهي سورة الفاتحة : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ [ الفاتحة:5- 7 ] .
وقد أمرنا الله عز وجل بالدعاء للوالدين وبين أن هذا من البر بهما والإحسان إليهما فقال : ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ [ الإسراء:24] .
ثم يقال لهؤلاء الذين يدعون المخلوقين من دون الله تعالى إن الذين تدعونهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم قال تعالى : ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [ الأعراف : 191- 198 ] .
ثانيا : الذبح لغير الله :
الذبح لله عز وجل من أعظم العبادات , ولهذا قرنه الله عز وجل بالصلاة في مواضع من كتابه , قال تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ، وقال تعالى : ( فصل لربك وانحر ) .
وإذا كان الذبح من العبادات فلا يجوز صرفه لغير الله , وثبت في «صحيح مسلم» من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات : « لعن الله من ذبح لغير الله , لعن الله من لعن والديه , لعن الله من آوى محدثا , لعن الله من غير منار الأرض » .
وقد جاء من طريق طارق بن شهاب عن سلمان قال : دخل رجل الجنة في ذباب , ودخل النار رجل في ذباب . قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا , فقالوا لأحدهما : قرب . قال : ليس عندي شيء . فقالوا له : قرب ولو ذبابا . فقرب ذبابا فخلوا سبيله . قال : فدخل النار , وقالوا للآخر : قرب ولو ذبابا . قال : ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل . قال : فضربوا عقه . قال : فدخل الجنة () .
هذا في ذباب فكيف بمن يذبح لغير الله تعالى؟! مع أن الناظر في حال الناس اليوم يجد الكثير ممن ينتسب للإسلام يذبحون لغير الله عز وجل , فمنهم من يذبح للجن , ومنهم من يذبح للنبي ﷺ أو لعلي أو للحسين رضي الله عنهما , ومنهم من يذبح للأولياء والصالحين .
وأيضا من الناس من يذكر غير اسم الله عز وجل على الذبيحة , وهذا من الشرك أيضا , وقد قال تعالى : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾[البقرة: 173] , وقال تعالى : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ [المائدة: 3] .
ثالثا : ادعاء علم الغيب :
من أبواب الشرك ادعاء علم الغيب ، وقد أخبر الله عز وجل أن الغيب له وحده لا شريك له ، قال تعالى : { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون } .
وقال تعالى : {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } .
وقد بين الله تعالى في كتابه أنه يخبر رسله من الملائكة أو البشر ببعض الغيب حتى يكون دليلاً على صحة رسالتهم وصدق نبوتهم وهذا بالنسبة للرسول البشري .
قال تعالى : {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ... }.
وقال تعالى : {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }.
وكما دلّ الشرع على هذا دلّ العقل على أن الإنسان لا يعلم الغيب فمن زعم لأحد بعلم الغيب سوى الله تعالى فقد خالف الشرع وناقض العقل وكفر بالله العظيم .
أخرج الإمام أحمد ( 2/429 ) وإسحاق بن راهويه ( 1/434 ) في «مسنديهما» والحاكم ( 1/8 ) وعنه البيهقي ( 8/135 ) وغيره من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : « من أتى عرّافاً أو كاهناً فسأله فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » () .
ففي هذا الحديث حكم عليه الصلاة والسلام بكفر من أتى إلى العرافين والكهان وصدقهم بما يقولون .
قال الطيبي : لم يكتف بكفره بل ضم إليه بما أنزل على محمد ﷺ . () ا . هـ .
وقال أبو بكر بن العربي في « أحكام القرآن » ( 2/739 ) ونقله عنه القرطبي في « تفسيره » ( 7/2 ) : وأما من ادّعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر أو أخبر عن الكوائن الجملية أو المفصَّلة فيما يكون قبل أن يكون فلا ريبة في كفره أيضاً . ا . هـ .
وقد أخبر النبي ﷺ أن ادعاء معرفة الغيب عن طريق النجوم شعبة من شعب السحر أخرج ابن أبي شيبة ( 8/414 ) وأحمد ( 1/227 , 311 ) وأبو داود ( 3905 ) وابن ماجه ( 3726 ) والطبراني في « الكبير » ( 11278 ) وغيرهم كلهم من طريق عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله عن يوسف ابن ماهك () عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ : « من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد » .
والسحر معلوم حكمه وأخرج معمر في « جامعه » المطبوع في نهاية « مصنف عبد الرزاق » ( 19805 ) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : « إن قوما يحسبون أبا جاد وينظرون في النجوم ولا أرى لمن فعل ذلك من خلاق » () .
وقد كثر ادعاء علم الغيب وكثر تصديق الناس بهم ، ومن ذلك قراءة الفنجان , وقراءة الكف , وضرب الودع , والخط في الأرض , فالواجب على أهل العلم والدعاة تحذير الناس من ذلك ودعوتهم إلى التزام العقيدة السلفية التي جاءت في الكتاب والسنة .
قلت : هذه بعض الأمثلة على صور الشرك , وهي كثيرة كما تقدم , فلا بد من الرجوع إلى كتب أهل العلم لمعرفة صور الشرك وأنواعه وأقسامه حتى يحذر منه العبد , وبالله التوفيق .
* * *
واعلم وفقك الله تعالى أن الشارع الحكيم كما حرم الشرك بجميع صوره وأنواعه فقد سدّ جميع طرق الشرك ، وحرّم وسائله ، وأغلق أبوابه ، تحقيقاً للتوحيد وحماية لجنابه .
قال الله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [سبأ: 22-23] .
قال أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي تعليقاً على هذه الآية : « وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها ، قطعاً يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله ولياً فمثله كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع ، والنفع لا يكون إلا ممن يكون فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه ، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك ، فـإن لم يكن شريكاً له ، كان معيناً له وظهيراً، فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده ، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفـياً مرتباً متنقلاً من الأعلى إلى ما دونه ، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك ، وأثبت شفـاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه...» اهـ .
ومن وسائل الشرك التي سدّها الشارع تتبع () آثار الصالحين وتقديسها ، بالصلاة فيها، والدعاء عندها، والتمسح بها .
فقد حذّر الرسول الكريم ﷺ من هذا الفعل غاية التحذير ، وأنكر على من فعل هذا أشد الإنكار .
فقد أخرج البخاري (427) ومسلم (528) كلاهما من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي ﷺ ، فقال: « أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات ، بنوا على قبره مسجداً ، وصوّروا فيه تلك الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ».
وأخرج البخاري (437) ومسلم( 530) كلاهما من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: « قاتل الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ».
واتخاذها مساجد يكون بالصلاة عندها ، أو بناء المساجد عليها ، فهذا في من فعل هذا بقبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكون من شرار الخلق ، ويكون ممن لعنه الله - والعياذ بالله - فكيف فيمن فعل هذا مع غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟! فلاشك أن الأمر سيكون أعظم وأشد.
وأخرج مسلم(532) من طريق عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث النجراني ثني جندب قال : سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول : « إنني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك » .
في هذا الحديث حذّر عليه الصلاة والسلام من هذا الفعل قبل موته بخمسة أيام ، بل وحذّر منه عليه الصلاة والسلام وهو في سياق الموت ، كما أخرج البخاري (435) و(436) ومسلم (531) كلاهما من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن عائشة وعبدالله بن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه ، فقال وهو كذلك : « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما صنعوا .
وقد سار على هذا المنهج القويم والمسلك المستقيم خلفاؤه من بعده رضي الله عنهم فقد أخرج ابن وضاح في « البدع » ( ص : 41 ) من حديث الأعمش عن المعرور بن سويد قال : خرجنا حجاجاً مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه ، فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعاً ، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل ، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض () .
وفي رواية أخرى أخرجها ابن وضاح (ص41): أنه رضي الله عنه عندما صلّى الغداة رأى الناس يذهبون مذهباً ، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلّى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا ، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعاً ، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ، ومن لا فليمض ولا يتعمدها .
فقد أنكر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه هذا الفعل وهو التبرك بالأماكن التي صلّى فيها رسول الله ﷺ وبيّن أن بهذا الفعل هلكت الأمم السابقة.
وقد أمر عمر رضي الله عنه بقطع () الشجرة التي زُعم أن الرسول ﷺ بايع تحتها الناس ، مع أن الله تعالى أنسى صحابة رسوله ﷺ مكان هذه الشجرة التي بايعوا عندها رسول الله ﷺ رحمة بهم وبمن أتى من بعدهم.
فقد أخرج البخاري (2958) في «صحيحه» من حديث نافع عن ابن عمر قال : رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها ، كانت رحمة من الله.
وأخرج البخاري (4163) ومسلم (1859) من حديث سعيد بن المسيب قال : ثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة . قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها . فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم !!
قال أبو الفضل ابن حجر في «الفتح» (6/118) تعليقاً على هذا الحديث : « وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أُمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: «كانت رحمة من الله» أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى » اهـ.
قلت : ومع ما تقدم من كون الصحابة أنسوا مكانها ولم يعرفوه حتى جاء مِنْ بعدهم مَنْ ْزعمَ أنه يَعرف مكانها كما وقع ذلك في عهد عمر رضي الله عنه فعند إذن أمر عمر رضي الله عنه بقطع هذه الشجرة التي يزعم أنها بويع تحتها رسول الله ﷺ ، ثم بعد عهد عمر جاء من يزعم معرفته بهذه الشجرة ، فقد أخرج البخاري (4163) في «صحيحه» من حديث طارق بن عبدالرحمن قال : انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون ، قلت : ما هذا المسجد ؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان .
قلت : وهذا بعد عهد عمر لأن طارق بن عبدالرحمن من صغار التابعين ومَنْ كان مثله لم يدرك عهد عمر رضي الله عنه، وإنما ولدوا بعد عهد عمر رضي الله عنه .
وقد سار السلف الصالح على هذا النهج ، فقد كانوا لا يأتون إلى مثل هذه الأماكن ، بل وينكرون على من فعله .
قال أبو عبد الله بن وضاح القرطبي في كتابه «البدع» (ص 43) : « وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قبا وأحداً .
قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ، ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها ، وكذلك فعل غيره أيضاً ممن يقتدى به ، وقدم وكيع أيضاً مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان.
قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين ، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند من مضى ، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه ، ومتقرب إليه بما يبعده منه ، وكل بدعة عليها زينة وبهجة » ا.هـ
وهذا الذي ذكره ابن وضاح أمر معلوم وظاهر . ولذلك قال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم : « وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين الرسول ﷺ ، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها ، ولم يأمر ببناء مشهد لا على قبر نبي ولا غير قبر نبي ، ولا على مقام نبي ، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام - لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب - مسجد مبني على قبر ، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلاً ، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء ، عنده ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء ، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه » ا.هـ من «اقتضاء الصراط » (ص 753) .
فتبين مما تقدم أن تتبع آثار الأولياء والصالحين المكانية من البدع الشيطانية ، ومن طريقة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الجاهلية .
وقد أخرج معمر في «جامعه» - المطبوع مع «مصنف عبدالرزاق» (20763) - عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين ، فمررنا بسدرة ، فقلنا : أي رسول الله ، اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط - وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها - فقال النبي ﷺ : « الله أكبر ، هذه كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم ».
وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» - كما في «سيرة ابن هشام» - (4/70) وأبو داود الطيالسي (1346) والحميدي (848) وأحمد (5/218) والترمذي (2180) وغيرهم من طريق الزهري به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وأخرج البخاري في «صحيحه» (4859) من طريق أبو الأشهب عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله تعالى : ﴿ واللات والعزى ﴾ - قال: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج .
وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في «الفتح» (8/612) - من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء به ، ولفظه : كان يلت السويق على الحجر فما يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه .
فهذا الفعل وهو العكوف عند قبور الأولياء والصالحين والتبرك بالأحجار والأشجار طريقة أهل الجاهلية ، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
قال أبو بكر الطرطوشي في كتابه « الحوادث والبدع » ( ص 38 ) - بعد أن ذكر حديث أبي واقد الليثي السابق - : « فانظروا رحمكم الله أيضاً أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ، ويعظمون من شأنها ، ويرجون البرء والشفاء من قبلها ، وينوطون بها المسامير والخرق ، فهي ذات أنواط فاقطعوها » ا.هـ
وقال عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص 24) : « ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبيناني رحمه الله تعالى - أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة - ، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبدالله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى : عين العافية ، كانت العامة قد افتتنوا بها ، يأتونها من الآفاق ، من تعذر عليها نكاح أو ولد ، قالت : امضوا بي إلى العافية فتعرف بها الفتنة ، قال أبو عبدالله : فإنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها فخرجت فوجدته قد هدمها ، وأذن الصبح عليها ، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأساً. قال : فما رفع لها رأس إلى الآن » ا.هـ
قلت : ومع الأسف وقع كثير ممن ينتسب إلى دين الإسلام بما حذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام فتراهم يقصدون هذه الآثار ، كالذهاب إلى غار حراء مع أن الرسول ﷺ إنما كان يتعبد فيه قبل البعثة ، وأما بعدها فلم يأت إليه ولا دعى أمته إلى الذهاب إليه ، ومع ذلك تجد كثيراً من الجهال يذهبون إليه .
ومن ذلك المكان الذي يُزعم أن الرسول ﷺ ولد فيه - ومع أن هذا لم يثبت - فهل الرسول ﷺ أرشد أمته إلى الإتيان إلى هذا المكان ، أو فعل ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم أو السلف الصالح ؟! وإنما أَحْدَثَ هذا من ضل سواء السبيل ، وخالف الحق المبين .
بل وصل الأمر إلى الإتيان إلى مكان يُزعم أن امنة بنت وهب أم الرسول ﷺ دفنت فيه ، فيُفعل في هذا المكان من الشركيات والقبائح ما الله به عليم ، من دعاء آمنة بنت وهب من دون الله تعالى ، والاستغاثة بها ، وصب الطيب في هذا المكان المزعوم أنه قبر آمنة بنت وهب مع أنها ماتت على الشرك ، لأن الرسول ﷺ عندما استأذن ربه أن يستغفر لها لم يأذن له ، كما أخرجه مسلم في «صحيحه» (976) من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فذكره .
وقد قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ .
قال النووي في « شرح مسلم » (7/45) على الحديث السابق : « وفيه النهي عن الاستغفار للكفار » ا.هـ
وقال أيضاً على الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: « في النار » فلما قفّى دعاه فقال: « إن أبي وأباك في النار ».
قال النووي على هذا الحديث (3/79) : « فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين ، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم » ا.هـ
وقد حكى القرافي في «شرح التنقيح» الإجماع على تعذيب موتى الجاهلية في النار ، وعلى كفرهم.
وللشيخ محمد الغزالي (المتوفى سنة : ) رحمه الله تعالى كلام جميل حول التوحيد , فقال في كتابه «عقيدة المسلم» (60-69) :
( مقَارَنات بَين الشّرَكَاء وَالعَبيد
أراد الله عز وجل أن يُعرِّف سفهاء المشركين بأقدار الآلهة التي عبدوها من دون الله ، فردَّد هذه المعبودات المظلومة بين صنفين :
إما أن تكون من جمادات ، فالعبيد أوسع قدرة من هذه الآلهة ، لأن لهم جوارح يستخدمونها فيما يشاؤون ، أما هذه الأصنام المعبودة فماذا لها ؟
﴿ ألهم أرجلٌ يمشون بها ؟ أم لهم أيدٍ يبطشون بها ؟ أم لهم أعينٌ يُبْصرُون بها ؟ أم لهم آذانٌ يسمعون بها ﴾ .
ليس لها من ذلك شيء ..
وإما أن تكون هذه الآلهة المزعومة تملك ما ذكر من أدوات ومشاعر ، فماذا يمنحها ذلك من فضل ؟
سيكون الآلهة والعبيد سواء في القوى الذاتية والمنزلة الكونية ، فأي ألوهية تلك ؟
﴿ إنَّ الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم ، فادْعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ .
وليست طبيعة الإنسان أن يقف حاسراً قاصراً أما ألوهية هي دونه أو هو فوقها ، فإذا دعاها كانت بين أمرين ، إما ألا تسمع وإما ألا تجيب .
﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دُعاءكُم ، ولو سمعوا ما استجابوا لكم ، ويوم القيامة يكفُرُون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
ولذلك فإن النقائص أن تتعلق النفس البشرية بهذه الأوهام والأباطيل .
***
لقد كثُر في القرآن الكريم ضرب الأمثال ، وسوق الأدلة واستشارة الانتباه ، واستنهاض الكرامة الآدمية حتى تقوم من هذه الوهدة التي تذل فيها لمن هو دونها أو لمن هو مثلها .
وأفاض القرآن في استقصائه للمعاني التي تصون الوجه من دنس الشرك ، وفي مخاطبة العاطفة الإنسانية بأسلوب رائع في رقته ، واضح في غايته .
﴿ أأرباب متفرقون خير ؟ أم الله الواحد القهار ؟ ﴾ .
﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ، ورجلاً سلماً لرجل ، هل يستويان مثلاً ؟ الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ .
والحق أن التوحيد روح الإسلام وجوهر عقيدته ومحور عباداته المنوعة ، ومبدأ التوحيد يسري في تعاليمه كافة سريان الماء في النبات أو الأعصاب في البدن .
وقد وضح القرآن الكريم حقيقته وبسط فكرته ، وناقش ما قد يعرض له أو يعارضه ، حتى ليعتبر التوحيد الإسلامي أصرح وأكمل ما أسسه دين في قلوب بنيه ، ودمغ البشر جميعاً بطابع العبودية لله وحده ، وانتزع كل شعور يتجه بالمرء إلى تقديس كائن ما هنا أو هناك .
كل ذلك من عناوين الإسلام الأولى وليس من إشاراته الثانوية أبداً .
﴿ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار ﴾ .
والله ـ وحده ـ هو الضار النافع ، والخافض الرافع ، الذي يخذل أو ينصر ، ويعطي أو يمنع .
وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه ، وليس من شأن مَلَكٍ في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله .
....
ولذلك فإن من إخلاص التوحيد أن نكل ما فوق قدرتنا وإرادتنا إلى الله وحده ، وأن نربط خوفنا ورجاءنا به .
﴿ أليس الله بكافٍ عبده ﴾ .
﴿ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ؟ أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ؟ قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ﴾ .
للمؤمن قبلة واحدة يوليها وجهه ، ويهب لها فؤاده ، ويبثها نجواه وشكواه ، ويعرف على أشعتها طريقه في ظلمات الحياة .
للمؤمن صلة عليا بالله ، يحدد على أساسها علاقاته بالناس .
وله عواطف تجيش بالأمن والقلق ، والسخط والرضا ، والحب والبغض والوحشة والأنس .
ومهما اضطربت في نفسه هذه المشاعر المعتادة ، فإن ضوابط اليقين تحكمها ، وعرفانه بربه هو الذي ينقضها أو يبرمها .
وقد كان إمام الأنبياء يغرس هذه المعاني في قلوب المؤمنين حين كان يدعو في تهجده : « اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت » .
هذه الضراعة الحارَّة النابضة هي آية التوحيد الكامل .
إذا مشت عصارتها في القلوب هزَّتها بالحياة والنماء ، وإذا فرغت الأنفس منها زوت ، والتوت ، وخطبت في عماء ما بعده عماء .
ونحن ـ في الدنيا ـ نمرُّ بتجارب شتى تكشف عن معادننا وخصائصنا كما تكشف التجارب في معامل الكيمياء عن ميزان الغازات والسوائل المختلفة ...
ما يُعرف الإيمان والكفر ، وما يتكشف الإخلاص والنفاق ، وما يتميز الخبيث والطيب إلا في هدى هذه التجارب التي تكفل القدر بإجرائها :
﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾ .
***
وإذا رأيت المرء يحب غير الله أكثر مما يحب الله ، ويخاف العبد أكثر مما يخاف الرب ، ويتعلق قلبه بالناس أكثر مما يتعلق برب الناس ، ويصدر عمله ابتغاء رضاهم أكثر مما يطلب ثواب الآخرة ، فإذا نزلت به نكبة كان تفكيره في فلان قبل تفكيره في الله ، وإذا أصابه خير كان حمده لفلان أسبق من شكره لله ... فاعلم أن هذا الشخص قد أشرك ، ولئن كان بعض العلماء يقول : إن الشرك في العمل غير الشرك في الاعتقاد ، وإن هذا شرك أصغر وذلك شرك أكبر () .
الحقيقة أن المسألة أصعب مما يتصورون وذاك شرك أكبر .
فالشرك عين حمئة قذرة ، إذا انفجرت في قلب وبدأت تسيل قطرات راشحة توشك أن تتحول سيلاً كاسحاً ، ويومئذ لا يبقى في القلب إيمان حق ، ويتحول ما يسمونه شركاً أصغر إلى عين الشرك الذي يعدُّه الإسلام أقبح الكبائر .
إنَّ الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
والإسلام يوم حارب اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى ، لم يحاربها لذواتها ، ولم يكن بينه وبينها عداوة شخصية ؛ إنما حاربها لأنها احتلَّت من قلوب الملتفين بها مكانة السيد المتصرف من عبيده الأذلّين .
فكل ما يصرف القلوب ، مثلها ، عن الله فهو صنم .
وكل من تكون في قلبه منزلة لشيء ما غير الله ، مثل منزلة هذه الأصنام في قلوب المشركين القدامى ، فهو ـ ولا كرامة ـ مثلها ، يحسب منهم ويحشر معهم .
ولا عجب فالخمر لم تحرم لعينها ، وإنما حرم المسكر من كل شراب .
والإيمان بالله لا تتفاوت حقيقته ، وإن اختلفت نواقضه على توالي الأيام .
تَوحيد العَامَّة وَمَا يَعلوُه مِنْ غبَار
ينبغي لهذه الأمة أن تكون مثلاً عالياً في إسلام الوجه لله وإفراده بالنية والعمل .
بيد أننا نلحظ ـ آسفين ـ أنَّ هناك مسالك شائعة بين الجماهير الغفيرة من المسلمين ، لها دلالتها الخطرة على فساد التفكير وضلال الاتجاه واضطراب المقصد .
ولا نحب أن نوارب في الكشف عن هذه العلة ، فإن أي خلل في دعائم التوحيد معناه الخبل الذي يدرك موطن القيادة الفكرية في هذا الدين الحنيف .
إذ التوحيد في الإسلام حقيقة وعنوان ، وساحة وأركان ، وباعث وهدف ، ومبدأ ونهاية .
ولسنا ـ كذلك ـ ممن يحب تصيُّد التهم للناس ، ورميهم بالشرك جزافاً ، واستباحة حقوقهم ظلماً وعدواناً .
ولكننا أمام تصرفات توجب علينا النظر الطويل ، والنصح الخالص ، والمصارحة بتعاليم الكتاب والسنَّة كلما وُجِدَ عنها أدنى انحراف .
لقد اهتمت حكومة إنجلترا ـ في سبيل مكافحة الشيوعية ـ بالحالة الدينية في مصر !
فكان مما طمأنها على إيمان المصريين (!) أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح أحمد البدوي بطنطا هذا العام .
والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لديّ ، فطالما أُوفدتُ رسمياً لوعظهم ، فكنت أشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر الكلام ، وكثرتهم الساحقة لا تعرف عن فضائل الإسلام وأنظمته وآدابه شيئاً .
ولو دُعُوا لواجب ديني صحيح لَفَرُّوا نافرين ، وإن كانوا أسرع إلى الخرافة من الفراش إلى النار !
وحسبك من معرفة حالهم : أنهم جاؤوا الضريح المذكور للوفاء بالنذور والابتهال بالدعاء !
ولمن النذور ؟ ولمن الدعاء ؟
إنه أول الأمر للسيد .
فإذا جادلت القوم قالوا : إنه لله عن طريق السيد البدوي .
وأكثر أولئك المغفَّلين لغطاً يقول لك : نحن نعرف الله جيداً ، ونعرف أن أولياءه عبيده ، وإنما نتقرب بهم إليه ، فهم أطهر منا نفساً وأعلى درجةً .
وهذا الكلام ـ على فرض مطابقته لواقع القوم ـ غلط في الإسلام .
فإن الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا أن نجيء معنا بالآخرين ليحملوا عنا حسناتنا ، أو ليستغفروا لنا زلاتنا .
﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ؟ ﴾ .
بل المعروف من بديهيات الإسلام الأولى أن الطلب ووسيلته جميعاً يجب أن يكونا من الله .
﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .
« إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله » .
أليس من المضحك أن نستنجد بقوم يطلبون لأنفسهم النجدة ، وأن نتوسل بمن يطلب هو كل وسيلة ليستفيد خيراً أو يستدفع شراً ؟ .
﴿ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ﴾ .
إن المسلمين لما طال عليهم الأمد نسوا الحق .
والمرء قد يعذر إذا ذهل عن شأن تافه ، أو فاته استصحاب شيء هيِّن ، أما أن يذهل عن كيانه وإيمانه فهنا الطامة .
وأحسب أن القرآن الكريم يقصد إلى التنديد بهذا اللون من إفساد التوحيد عندما قال :
﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله ، فيقول : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ؟ أم هم ضلوا السبيل ؟ قالوا : سُبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بُوراً ... ﴾ .
أجل ! لقد نسوا الذكر ، وما قام عليه الذكر من توحيد شامل .
وليس يغني في الدفاع عن أولئك الجهلة من العوام أنهم يعرفون الله ، ويعرفون أنه وحده مجيب كل سؤال ، وباعث كل فضل ، وأن من دونه لا يملكون من ذلك شيئاً .
فإن هذه المعرفة لا تصلح ولا تقبل إلاّ إذا صحبها إفراد الله بالدعاء والتوجيه والإخلاص ، فإن المشركين القدماء كانوا يعرفون الله كذلك .
﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ؟ أمن يملك السمع والأبصار ؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ؟ ومن يدبر الأمر ؟ فسيقولون الله ﴾ .
ومع أنهم يقولون « الله » بصراحة وجلاء فلم يُحسبوا بهذا القول مؤمنين ، لأن الإيمان ـ إذا عرفت الله حقاً ـ ألاّ تعرف غيره فيما هو من شؤونه .
ولذلك يستطرد القرآن في مخاطبة هؤلاء :
﴿ ... فقل أفلا تتقون ؟ فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ؟ كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ﴾ .
إن العامة عندما يشدُّون الرِّحال إلى قبور تضم رفات بعض الناس ، وعندما يهرعون بالنذور والحاجات والأدعية إلى من يظنونهم أبواباً لله ، إنما يرتكبون في حق الإسلام مآثم شنيعة .
ومهما قلبنا عملهم هذا من جميع وجوهه فلن نجد فيه ما يطمئن إليه ضمير المؤمن أبداً .
ومحبة الصالحين وبغض الفاسدين من شعائر الإسلام حقاً .
ومظاهر الحب والبغض معروفة ... هي مصادقة للأحياء أو منافرة ، واستغفار للموتى أو لعنة .
وأين من عواطف الحب والبغض هذا الذي يصطنعه المسلمون اليوم ؟
إن الواحد منهم قد يصادق أفسق الناس ، وقد يقطع والديه ـ وهما أحياء ـ ثم تراه مُشَمِّراً مُجِداً في الذهاب إلى قبر من قبور الصالحين ، لا ليدعوا له ويطلب من الله أن يرحم ساكن هذا القبر ، بل ليسأل صاحب القبر من حاجات الدنيا والآخرة ما هو مضطر إليه .
وذلك ضلال مبين ! .
***
وبناء المعابد على قبور الصالحين تقليد قديم ، وقد ذكر القرآن ما يدل على شيوعه في الأمم السابقة .
وفي قصة أهل الكهف تسمع قوله عز وجل :
﴿ فقالوا ابنوا عليهم بُنْيَاناً . ربُّهُمْ أعلهم بهم . قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ﴾ ....
....غير أن البشر سَفِهُوا أنفسهم ، فالأحجار التي نحتوها للعظماء عبدوها ، أو ـ على حد تعبيرهم ـ اتخذوها إلى الله زلفى .
والمعابد التي أقاموها على قبور الصالحين قدَّسوها وسلكوها مسلك الأصنام في الشرك .
فلما جاء الإسلام أعلن على هذين المظهرين من مظاهر الوثنية حرباً شعواء ، وشدد تشديداً ظاهراً في محق هذه المساخر المنافقة .
وقد رأينا كيف أن النبي ﷺ أرسل علي بن أبي طالب وأمره أن يسوي بالأرض كل قبر وأن يهدم كل صنم ، فجعل الأضرحة العالية والأصنام المنصوبة سواء في الضلالة .
وقال النبي ﷺ ـ في البيان عن سفاهة القدامى وفي التحذير من متابعتهم ـ : « لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد » ، « ألا لا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن هذا » .
وكان يرفع الخُمْرة عن وجهه في مرض الموت ويكرر هذا المعنى ، وكأنه توجس شراً مما يقع به فدعا الله :
« اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثناً يعبد » .
ومع كثرة الدلائل التي انتصبت في الإسلام دون الوقوع في هذا المحظور ، أقبل المسلمون على بناء المساجد فوق قبور الصالحين . وتنافسوا في تشييد الأضرحة ، حتى أصبحت تبنى على أسماء لا مسميات لها ، بل قد بنيت على ألواح الخشب وجثث الحيوانات .
ومع ذلك فهي مزارات مشهورة معمورة ، تُقْصَدُ لتفريج الكرب ، وشفاء المرضى ، وتهوين الصعاب !
***
....
وجماهير العامة الآن ينبغي أن تساق سوقاً رفيقاً إلى حقائق الإسلام ، حتى تنصرف ـ في هدوء ـ عن التوجه إلى هذه الأضرحة وشدّ الرحال إلى ما بها من جثث .
وإخلاص المعلّم وأسلوبه في الدعوة ، عليهما معول كبير في تمحيص العقيدة مما عَلِقَ بها من شوائب وعلل .
وقد تكون لدى البعض شبه في معنى التوسل .
فلْنُفهِم أولئك القاصرين أن التوسل في دين الله ، إنما هو بالإيمان الحق والعمل الصالح ، وقد جاء في السنّة .
« اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلاّ هو ، الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد » .
فهذا توسل بالإيمان بذات الله .
وجاء ـ كذلك ـ توسل بالعمل الصالح في حديث الثلاثة الذين آواهم الغار .
وجاء توسل بمعنى دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب ، ودعاء المسلم للمسلم مطلوب على أية حال .
ولا نعرف في كتاب الله ولا في سنة رسوله توسلاً بالأشخاص مهما علت منزلتهم ـ سواء كانوا أحياء أو أمواتاً ـ على هذا النحو الذي أطبق عليه العامة وحسبوه من صميم الدين ، ودافعوا عنه بحرارة وعنف ضد المنكرين والمستغربين ) ا.هـ كلام الشيخ الغزالي , وإنما نقلناه لموافقته للكتاب والسنة ولما فيه من إقناع لمن أراد الحق .
وقد قدمت بهذه المقدمة بين يدي هذا الكتاب , لأهمية هذا الموضوع وشدة الحاجة إليه , ولأن سائر الأعمال لا تصح ولا تقبل إلا من أهل التوحيد , وإذا وقع الإنسان في شيء من الشرك , فإن ذلك يكون سببا لحبوط عمل العبد وبطلانه , كما سبق ذكر الأدلة على ذلك ، والله ولي التوفيق .
صفة الحج
تعريف الحج لغة وشرعا:
الحج لغة : هو القصد .
وشرعاً : هو القصد إلى بيت الله الحرام ، في وقت معلوم ، لأداء أمور معلومة ، شَرَعَهَا الله عز وجل لعباده .
حكم الحج :
قد أوجب الله على عباده الحج إلى بيته المُحَرَّم ، قال تعالى : { ولله على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا } [ آل عمران : 97 ] .
وسبق ماجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ : « بني الإسلام على خمس ، شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان » () .
فالحج فريضة من الفرائض التي أمر الله عز وجل عباده بها ، وهو ركن من أركان الإسلام ، والإسلام مبني على خمسة أركان ومنها الحج .
* * *
المواقيت
ثبت في « الصحيحين » من حديث عبد الله بن طاووس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إن النبي ﷺ وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلمم ، قال : « هُنَّ لهن ، ولمن أتى عليهن ، من غيرهن ، ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة » () .
ففي هذا الحديث بَيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أربعة من مواقيت الحج ، وهذه المواقيت هي التي وَقَّتها الرسول ﷺ للإحرام من عندها .
وجاء في حديث ابن عمر الذي في « صحيح البخاري » أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ذكر ميقاتاً خامساً وهو ذات عرق وهو لأهل العراق ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما فُتِحَ هذان المصران () أتوا عمر ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله ﷺ حَدَّ لأهل نجد قرناً ، وهو جَوْرٌ عن طريقنا ، وإنَّا إن أردنا قرناً شَقَّ علينا ، قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فحَدَّ لهم ذات عرق () .
فهذه المواقيت يجب على من أراد الحج ومر بها أن يحرم منها .
* * *
محظورات الإحرام
1_ إزالة شعر الرأس بحلق أو غيره ، لقوله تعلى : ﴿ ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ ، وألحق جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى شعر بقية الجسم بشعر الرأس ، وعلى هذا فلا يجوز للمحرم أن يُزيل أي شعر كان من بدنه .
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى فدية حلق الرأس بقوله : ﴿ فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ .
وأوضح النبي ﷺ أن الصيام مقداره ثلاثة أيام ، وإن الصدقة مقدارُها ثلاثة آصع من الطعام لستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وأن النسك شاة ، والمراد شاة تبلغ السن المعتبر في الهدي ، وتكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء ، كما ثبت «الصحيحين» عن كعب بن عجرة أنه قال : حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي , فقال : « ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى , أتجد شاة ؟ » . قلت : لا . قال : « فصم ثلاثة أيام , أو أطعم ستة مساكين , لكل مسكين نصف صاع » ().
2_ تقليم الأظافر قياسا على حلق الشعر على المشهور عند أهل العلم ،ولا فرق بين أظفار اليدين والرجلين ، لكن لو انكسر ظُفُرهُ وتأذى به فلا بأسَ أن يقص القدر المؤذي منه ، ولا فدية عليه ، كما روى ابن أبي شيبة وغيره عن عكرمة عن ابن عباس قال : إذا انكسر ظفر المحرم فليقصه ().
|